الكعاكير

single

إنّ من يطيب له التغنّي بأمجاد سلفنا الصالح إنّما يفعل ذلك لغايتين، واعيًا أو جاهلًا: الحنين إلى ما كان، والحنين مردّه إلى شعور بفقد، والتذكير بأنّ العقل العربيّ والإسلاميّ لم يكن معطّلًا حين كان ولاة الأمر فينا يمنحون الأمّة حقّها في النقاش والتعبير والإبداع والخلق في كلّ عوالم المعرفة. ولمّا اشتدّ الشعور بالفقد وعظم صار هذا التغنّي محاولة بائسة للتعويض.  هكذا قال الأستاذ غازي، بتكشيرته المعهودة، أو كما قال.
فرحت حين شرّفني أستاذي الكريم غازي ريّان (أبو حارث) بزيارة مفاجئة لم تخطر لي على بال وسعدت، سعدت كثيرًا. لم يعملها الأستاذ غازي من قبل وأنا أيضًا، والحقّ يُقال، لم أكسّر عتبات بيته. تجاذبنا أطراف الحديث، كما يلذّ للسلفيّين المولعين بالقول المعلّب أن يقولوا، تحدّثنا طويلًا وضحكنا مثلما لم نضحك من قبل. والرجل مرح عن قريب ويعرف كيف يسحبك بتهكّمه المعدي وفكاهته السوداء المسحوبة من قلب المرارة والحموضة والملوحة. كان الأستاذ غازي يبدو متألّمًا وناقمًا، ناقمًا جدًّا، على ما وصلت إليه حالنا من تبعيّة وتردٍّ صارت فيه أمّتنا الإسلاميّة والعربيّة إمّعة متعبة مرهقة أنهكها الذلّ والهوان. وكان أكثر ما يغيظ الأستاذ الحاجّ غازي هو التغنّي بأمجادنا السالفة. وكنت أحبّ أن أغيظه. كان يرى في هذا التغنّي إثباتًا لعقليّة سلفيّة ماضويّة محبطة ومفلسة. اتّفقت معه على هذا التشخيص على أن يتّفق معي على الذي كان السبب. والسبب كلّه وضعناه برقبة سلاطيننا و"أولي الأمر" منّا. هكذا اتّفقنا بالتالي. وهؤلاء السلاطين مثل "الكعاكير" بالضبط قال الأستاذ غازي وقد فاجأني بهذا التشبيه البليغ. وتابع يقول: كلّ "كعكور" منهم يختلف عن الآخر في ارتفاعه وحجارته و"صراراته التبشيميّة" التي تسنده ولون حجارته ونوعها وشكلها. لكنّها مهما اختلفت تظلّ في نهاية الأمر "كعاكير" لا تقيمها إلا بضع "صرارات". وكلّ "كعكور" من هذه "الكعاكير" التي "كعكروها" لنا وله يوم "سيكعر" فيه عن بكرة أبيه هو و"تباشيمه" وليسعفهم كبيرهم إن كان قادرًا على ذلك!! قال أبو حارث وضحكنا من عمق القلب. أعجبني التشبيه، وسحبني إلى الوراء، قبل نصف قرن من الزمان، حين كنّا مجموعة من الصبية الأشقياء نتبارى في لعبتين مقترنتين "بالكعاكير" في الوعر. و"الكعكور"، لكلّ من لا يعرف ولم يسمع من جيل أولادي، هو عمود من الحجارة نرفع بعضها فوق بعض، حجرًا على حجر، حتى يصل أقصى مداه. وكلّما علا "الكعكور" بحجارته وارتفع ازدادت الحاجة إلى المزيد من "التباشيم" الدقيقة، واحدتها "تبشيمة"، وهي "صرارات" صغيرة أو كلّ ما يسند الحجارة حتى تثبت وتصمد زمنًا أطول. وكنّا كثيرًا ما نتبارى في كلّ شيء، في كلّ شيء حتى الذي حرّمه الله. كانت شقوتنا في الطبيعة الطليقة تحرّرنا من القيد وتغوينا فنصطفّ الواحد جنب الآخر ونقشط سراويلنا العتيقة المرقّعة ونُخرج "كعاكيرنا" الصغيرة من مرقدها ونقيس، بالنظر كنّا نقيس. وحين كانت "كعاكيرنا" الصغيرة تتهاوى ونشعر بلذّة غريبة كنّا نرفع سراويلنا ونسارع إلى "كعاكير" أخرى من حجارة نبنيها ونعلّيها. ولم نكن وقتها نعرف العلاقة بين اللعبتين ولماذا كنّا بالفطرة نسارع إلى بناء "كعاكير" بديلة. كنّا نمنح هذه "الكعاكير" الحجريّة بعد نصبها وقتًا وننتظر لنمتحن صمودها. وحين كان الضجر يأخذ منّا كلّ مأخذ كنّا نصوّب حجارتنا إليها ونسعى إلى هدّها حتى "نكعرها" كلّها. كنّا نجد متعة كبرى في هدّها. كان هدّ هذه "الكعاكير" يمنحنا شعورًا غريبًا من النشوة الغامضة المباغتة، كتلك التي لم ندرك سرّها العميق إلا بعد أعوام قليلة. نشوة الهدّ تشدّ الحيل، طعمها حلو، حلاوتها غريبة. نشوة يتمنّاها الواحد منّا حتى لعدوّه. ولمّا كان الأقربون أولى بالمعروف وقد حُرموا هذه النشوة تمنّيناها، الأستاذ غازي وأنا، لأمّتنا كلّها من خليجها إلى المحيط... و"كعرنا" من الضحك.
قد يهمّكم أيضا..
featured

المأزق القيادي الفلسطيني: أزمة راهنة أم استنفاد دور تاريخي ؟

featured

مشروع قانون لشرعنة النهب

featured

ما لا يعلمه العديد من المدينين في البلاد!

featured

ألجرد يخترق الدار

featured

المستفيد من مهاجمة فيلم "عمر" هي المخابرات

featured

«اليمين» الأميركي... وثقافة «البارانويا»

featured

ألليبرمانية تشكّل خطرًا على الدمقراطية الإسرائيلية !