كالعادة، كان "الحديث يجرّ بعضه بعضا" في جلستنا وهذا الكلام ترجمة شعبيّة للقول المأثور "الحديث ذو شجون" أي ذو فنون متشعّبة، تأخذ منه في طرف فلا تلبث حتى تكون في آخر، ويعرض لك منه ما لم تكن تقصده، كما جاء في "المنجد".
وحَدَثَ أن ذكر كاتب صديق مناضل الشاعر العراقيّ الوطنيّ الكبير معروف الرصافيّ (1877-1945) فقلتُ: عاش الرصافيّ في مدينة القدس "فترة ما" في زمن الانتداب البريطانيّ فاستغرب صديقي هذه المعلومة فأضفتُ: وحدث أنّ الشاعر الرصافيّ الوطنيّ التقدميّ الذي خاطب الشعب العراقيّ يحرّضه على الاستعمار البريطانيّ:
للأجنبيّ مطامعٌ ببلادكم لا تنتهي إلا بأن تتبلشفوا
حلّ ضيفا على أحد وجهاء مدينة القدس وسهر مع المندوب الساميّ هربرت صموئيل، سيء الصيت، وفي أثناء السهرة ألقى شخص اسمه يهودا خطابا فيه مسحة إنسانيّة فنظم الرصافيّ قصيدة يقول فيها:
خطاب يهودا قد دعانا إلى الفكرِ وذكّرنا ما نحن منه على ذِكْرِ
لدى محفلٍ في القدسِ بالقومِ حافلٍ تبوّأه هربر صموئيل في الصدر
ويا ليلةً كادت وقد جلّ قدرها تكون على علاتها ليلةَ القدرِ
وأضفت أيضا أنّ الشاعر وديع البستانيّ ردّ على الرصافيّ في قصيدة جاء فيها:
أجل. عابرُ الأردنّ كان ابن عمّنا ولكنّنا نرتاب في عابر البحر
وقال جليسي: هذا لا يعيب الرصافيّ لأنّ المديح باب من أبواب الشعر طرقه معظم الشعراء ويحقّ للشاعر أن يمدح من يشاء. فقلتُ: أنا أميل إلى رأيّ صديقي الشاعر سميح القاسم بأنّ الشاعر الرصافيّ القوميّ الوطنيّ اختلطت عليه الأمور ودفعه إلى ذلك "سذاجته وطيبة قلبه" ولكنّي أعتقد بأنّ الشاعر هو ضمير الشعب، وكذلك الفنّان والمبدع، ولا يجوز له أن يسمح لذرّة غبار أن تمسّ هذا الضمير. فردّ صديقي: أبو الطّيّب المتنبيّ شاعر العربيّة الأكبر مدح كافورا وأمّا الجواهريّ الشاعر العملاق فمدح الملك الحسين. قلتُ: كنتُ أتمنّى لو أنّ المتنبيّ لم يمدح الأخشيديّ وكم بحثت عن مبرّر للجواهريّ حينما مدح الملك الهاشميّ ولكنّ قصائد المتنبيّ الصادقة الرائعة هي التي مدح فيها سيف الدولة، وقصائد الجواهريّ التي كتبها عن أخيه جعفر وعن عدنان المالكيّ وعن الجياع هي من القصائد الباقية الخالدة. وأنا يا صديقي أحبّ المتنبيّ وأُعجب به كما أحبّ الجواهريّ وأُعجب به أيضا فكلاهما عملاقان ولكنّ قصائدهما في كافور والحسين أساءت لهما.
فردّ صديقي: هذا موقف متشدّد.
قلتُ: لو أنّ الشاعر أمل دنقل مدح الرئيس حسني مبارك، ولو أنّ الشاعر محمود درويش، لا سمح الله، مدح الرئيس جورج بوش ماذا يبقى من صورة الشاعر الوطنيّ الثوريّ التقدميّ وكيف يبدو عندئذ ضمير الشعب؟
