اللاعب الاحتياط

single

عندما كنّا في سن المراهقة أسّسنا فريقا لكرة القدم، وأسميناه "فريق الهلال". وكان يضم أعضاء إدارة ولاعبين من جميع أحياء مدينة الناصرة، من البلدة القديمة المرحوم عبد الهادي، ومن بير الأمير أبو القاسم دبور رحمه الله، ومن الروم والعرقية المرحوم راجي حوّا وناصر الزيبق وحبيب بشارة ومن حارة الجامع الأبيض هاني عبد الله وآخرين أمدّ الله في اعمارهم. وامتد الفريق حتى انه أصبح يضُمّ لاعبين من حيفا مثل نبيل الخازن. ولم تكن في حينه لا لوثة طائفيّة ولا فئوية ولا حزبية متعصّبة، فالرياضة لا دين لها ولا لون ولا جنس، سوى أنّه في تلك الأيّام كانت لعبة كرة القدم مقصورة على الذكور، لما كانت تتسم به من خشونة، بعكس سِمات لاعبي اليوم، فكلما كان اللاعب مرنا ولبقا وسريعا وذكيا وعقلانيا في كرّه وفرّه، وباخنا في نقاط ضعف الخصم، كان أجْود.
لم أكن لاعبا جيّدا، لكنني اعتمدت على القوة، ليس نتيجة لقوة عضلاتي، إنما للبوط الرياضي الذي اقتنيته من سوق الرابش (البشبشيم) في حيفا، وكانت مقدمته ما تحت الجلد مصنوعة من النيكل، وأسفله مليئا بالمسامير النحاسية الغليظة. وقد أسماه زملائي بالدبّابة. وكنتُ لاعبا احتياطيا، للمدافشة كلما اقتضت الحاجة اليها، أو حدث أن كُسِح أحد الرفاق أو إذا كانت اللعبة خشنة منذ البداية. كنت أعتقد في حينه اعتقادين خاطئين، اولا: استعمال القوّة لأن الرياضة فن، وثانيا: أن اللاعب الإحتياط  ذو مرتبةٍ أدنى في الفريق، وأنه رِجل طاولة، أو عجل (سبير) للسيارة. لم أكن أدري أن هنالك طاولات ثلاثيّة القوائم، أو ثالثة الأثافي... ولم تكن لدي عن المركبات أيّة فكرة في تلك السنين. ولم أكن أعلم في حينه أن قيادة السيّارة فن وأخلاق وتهذيب وروح رياضية تماما مثل لعبة كرة القدم، التي تهذّب النفس وتروّض الجسد الجامح. ومثلها مثل أي قيادة سواء كانت اجتماعية أو سياسيّة لأنها تعلّم الإيثار والتعاون وتدرك متى يجب إعطاء حق الأولوية في قضيّة المواقف والمواقع والقدرات العقلية والتنظيميّة، وكذلك تعرف الفرق بين الثابت والمتحرّك، والاستراتيجيّة والتكتيك، والفرق بين الانضباط الأعمى والانضباط الواعي و ... أنه ليس دائما رأي الأغلبيّة الصواب، وأن الاختلاف حق، وأنه نتيجة للحوار وللعملية الجدليّة نخرج دائما إلى ما هو أقرب للتكامل، وأن عملية النقد والنقد الذاتي والمحاسبة هي الأساس في أي تنظيم سليم.
لقد علمتني كرة القدم أشياء كثيرة حتى لو كنت لاعبا احتياطيا. فقد كان لي الحق بل الواجب في الاشتراك بكل اجتماع تلخيصي بعد كل لعبة، وقبول النقد.. خصوصا إذا كان هدفه تحسين الأداء الفردي والعام لكل الفريق، لا وضع الفراكيش. علّمتني أن لكل عضو من أعضاء الفريق دورا عليه أن يقوم به على أكمل وجه.وأن للاعب الاحتياط دورا لا يقل أهميّة عن اللاعب الأساسي. تصوّروا أن يكون العجل (السبير) بدون نفخ. فهو مثل القائد غير المنفوخ بالتواضع والفكرة والاستقامة المبدئيّة، مثل الكاتب ومثل أي صاحب رأي!

قد يهمّكم أيضا..
featured

حارة كل من ايده اله

featured

في ذكرى رفيق عزيز

featured

تأَمْرك الإخوان

featured

مانيفستو واضعي النماذج الــمالية

featured

متى ينتهي هذا الكابوس؟

featured

اللُّعب بالسياسة باسم "النقاوة القومية"

featured

مفهوم المهزوم والهزيمة

featured

تجربة رائدة وغنية، لمرحلة هامة في كفاح جماهيرنا من اجل المستقبل