أتذكر لقاءنا الأول، ثم توالت اللقاءات، كانت عكا التاريخ والحضارة والعراقة قاهرة نابليون وغزاة الشعوب المتوحشين، هي من احتضن تعارفنا الذي صادف على غير ميعاد، قبل حوالي ربع قرن إلى الوراء، على أسوارها العالية وبين تقاطع حاراتها وأزقتها الضيقة، ومن على مكاتب الحزب الشيوعي الواقعة في ساحة فرحي، جلسنا نتحاور نتناقش ما بين الجد والمستجد، في أمور الساعة والنشاط الحزبي والكفاح السياسي، كانت أفكارنا تتوارد معًا في حمل الهم الوطني والحزبي المشترك.
كان فوزي شعبان وأنا عضوين نشيطين في حزب العمال والكادحين الحُمر وكوننا من أبناء الشعب المشرد والمهجر والمهدمة قراه وبيوته، مسلوب الأرض والوطن كنا ننعم لبعض الوقت في الحديث عن جذورنا الوطنية والقومية، عن قريتينا الدامون وكويكات المهجرتين وعن 530 قرية عربية فلسطينية، جرى هدمها وتشريد أهلها في عام الخيانة والمأساة 1948.
رفيقي فوزي الشعبان، لا يكون طعم للحياة ولا حلاوة للنضال وصيرورة الاستمرار وبهجة الانتصار وأنت لا تكون معنا ونحن أحوج ما نكون إليك، فاجأتنا يا أخي برحيلك المباغت والسريع كسرعة القطار الزاحف نحو النهاية المحتومة. فإذا بك تخرج عن سكة الحياة لتستقر في سكة الحياة الأبدية، ولذا احترت أيها الباقي بيننا الراحل عنا وأنت في عز الشباب بعمر الورد وتفتح اشتداد السنديان في الربيع الفلسطيني، ان كنت ابدأ المشوار الذي نسجنا خيوطه قبل مرحلة من الزمن العابر، بينما الحيرة تتملكني في سرد حديث، اهو بداية من عكا عاصمة الجليل عاشقة البحر أم البداية من جبل حيدر الجليلي الراماوي، حيث يرقد شاعر العروبة الكبير سميح القاسم في هدوء تام يتصفح خريطة وتضاريس الوطن، أم تكون البداية من ناصرة الجليل وقلعة الصمود والشموخ حاضنة توفيق زياد ومخيمات العمل والكرامة الوطنية التي كنت تشارك فيها بهمة قوية واحد حراسها المخلصين، أم نبدأ معًا من رام الله حيث يرقد الدرويش شاعر فلسطين الحبيبة، أم نسير معًا على بداية الطريق المهود والمعذب والمهدوم والمهجور. أم من بيوت وحارات شعب الأبية التي استضافتك على مدار الأيام والزمن في رحلة العذاب القسرية التي لم تنتهِ بعد، بينما لعبت وتجولت وقطفت وأكلت من عبق سهولها وخيرات أرضها الطيبة، العلت والخبيزة والعكوب وقطفت الياسمين وعصا الراعي والبرقوق الأحمر من وديانها وحواكيرها في خاصرة الآباء والأجداد في الدامون الحزينة لتقدمها وردا وهدايا في يوم ميلاد الوئام الغالي الحبيب على قلبك وأخته ياسمين وشيرين بينما تبتسم الأم وحيدة لأنها لم تبق وحيدة طالما صورتك وذكرياتك باقية خالدة في نفوس محبيك. لن أطيل عليك يا أبا وئام سرد الكلام ولا الذكريات العابقة في رحلة النضال نحو فجر المستقبل التي كنت تسعى إليه، لكن سنعود من حيث يجب ان تكون البداية، كيف ترحل بهذه السرعة الجنونية من غير وداع، وتترك لنا مساحات الفراغ في رحيلك/غيابك/ وداعك/ نهايتك/ انتقالك الأبدي إلى الرفيق الأعلى، بعد مسيرة وحياة عامرة حافلة بالعطاء والتضحيات لبلدك وحزبك وجبهتك ولمجتمعك وللأجيال الشابة من كافة الأعمار التي لولاك لكانت شرائح كثيرة من خيرة شبابنا مجرد وقود وحطب لحرب السموم التي تحصد وتقطف على الشمال واليمين خيرة ما عندنا، وأنت كنت النشال والمنقذ لهم من خطر الضياع والتشرد على شواطئ المجهول.
أبو وئام فوزي شعبان يا عزيز الورد، يا رفيق الطريق والمسلك الصحيح، هذه وصيتك الأخيرة نحو نور الشمس في عز الظهيرة والكفاح الذي لا يتوقف طالما الظلم والاستغلال والتمييز على شعبنا وجماهيرنا في الداخل الفلسطيني قائمًا وواقعًا بعد رحلة ومسيرة العذاب والتشريد والتهجير المستمرة منذ أكثر من 67 عاما.
أيها الراحل إلى ملكوت السموات بعيدا عنا قريبا منا، لتستقر في هدوء تام ولتحتضنك ملونا بعلم الألوان الأربعة وتراب الدامون وعمقا وكويكات والبروة وميعار وشعب، كل هذا التراب لي ولك ولنا جميعا، انه تراب فلسطين المقدس، تراب الوطن الغالي ونحن أصحاب الوطن.
كنت اكبر من ذلك حيث هاجمتك دزينة من الأمراض الساحقة الساخطة كالمستوطنات الناقلة للاجرام والجرائم العنصرية الحاقدة والفاسدة للمجتمع ككل والعدوة الزاحفة لتحطيم طموحات شعبنا الفلسطيني على وجه الخصوص في الحرية والاستقلال وعودة المهجرين والمشردين إلى بيوتهم وقراهم، كنت ورحلت وأنت لا تهاب الإمراض رغم تملكها وقساوتها بهدف النيل منك ووقفت امامها متحديًا اياها.
كنت تتحدى الملعون والمجهول. كافحت خير كفاح وتحملت وتأملت قسوة الحياة ولعبة المرض التي لا تنتهي في الحياة والإنسانية بصمود وتشبثك بالحياة كي تخدم وتعطي المزيد لمن هم بحاجة إليك وهم كثر في هذه الأيام. فروح التحدي كانت صفة من صفاتك الحميدة ومن مميزاتك في الجرأة والإخلاص والتفاني في خدمة الإنسان. كنت ورحلت وأنت سيد الرجال من أمثالك الذين لا يهابون الموت، لكن تحول فقدانك رحيلك غيابك المفاجئ إلى محط سخط ليس على القدر نفسه، وإنما على الظروف المستعصية التي انوجدت فيها وخاصة الحزب والمجتمع وشباب المستقبل الذين نشلتهم من براثن المجهول.
الغالي فوزي شعبان كنت أشهر من نار على علم، تدفقت الجماهير من كل حدب وصوب لتودعك الوداع الأخير، وأنت القريب جدا إلى قلوب الناس والجماهير ولأنك زرعت الأمل في النفوس المطمئنة وأنقذت الغريق من الانتحار، عرفنا فيك الكثير من الخصال الرفيعة ومن الأخلاق والنفوس الحميدة والإنسانية لنقول كم هو بحاجة مجتمعنا اليوم إلى رجال أشداء على شاكلة فقيدنا الكبير فوزي شعبان الذي علمنا الكثير من الصبر والحكمة والتروي وكيفية مواجهة المحن والشدائد. فكنت العادل والحكيم لا تساوم على ما ليس لك، كنت تكتنز الكثير من الأسرار والقدرات والإمكانيات لكنك قمة في التواضع، فيما كنت بارعا ومبدعا فيما تعمل وتقدم لمجتمعك وشعبك الغالي فأنت احد جداول ينابيع الحياة المتدفقة في عالم العطاء لان في قلبك الكبير متسعًا لجميع الناس من كل الأجيال والأجناس.
للمرحوم فوزي شعبان تجربة رائدة وغنية لمرحلة عاصفة من الشدائد والمحن على الصعيد السياسي والاجتماعي في مجتمعنا العربي وفي ظل الهجمة السلطوية على جماهيرنا العربية لزرع الآفة والجريمة والتفكك الاجتماعي والعنف والإحباط وتفسيخ الصفوف بعيدا عن التكاتف والانخراط في العمل السياسي والوطني وبهدف تهميش وتحييد الشباب العرب عن معركتهم الأساسية في احقاق الحقوق اليومية والقومية وتحقيق السلام والمساواة، ولهذا انخرط المرحوم فوزي في العمل في مجال التربية والتثقيف بعيدا عن ثقافة السلطة وأساليبها الخبيثة في الإيقاع بالشباب العرب في براثن العنف والإدمان والمتاجرة بالسموم البيضاء. فكان المرحوم يجوب المدارس والجامعات والأندية المختلفة في المجتمع العربي والبلاد عامة من شمالها حتى جنوبها ليضع بذور الوقاية والوعي والتحذير من الاخطار التي ترمي إليها حكومة الحرب والدمار العنصرية في كيفية هدم المجتمع والشباب العربي من الداخل.
رفيقي وعزيزي فوزي شعبان، نحن ندرك ان حياتك لم تكن ملكا لك ولعائلتك بل القسم الأكبر كان يذهب لبلدك وشعبك، كان همك الأول والوحيد أفراد أسرتك الكريمة، زوجتك وحيدة، ووئام وشيرين وياسمين، ولهذا كنت دائما تعلو وتسمو بهم في أحلامك وكنت دائما إلى جانبهم توسع بهم مدارك العطاء للمجتمع على طريق النضال، خدمة لشعبك ولجماهيرنا العربية الباقية في الوطن السليب في المثلث والنقب والجليل لتعطي أجمل الصور التي نقشتها في سلم الحرية والاستقلال لأنه يا رفيقي بكفاحك وعطائك وأمثالك تستمر الحياة من اجل مستقبل أفضل.
لم تختر الرحيل هكذا مبكرا وبدون الورد فالأحمر والأبيض كانا قريبين على قلبك، لونان يشعان أملا وعطاء وفيهما اتسمت ملامح شخصيتك المنحازة لشعب الفقراء والناس الغلابى حيث كنت تقف بجسدك العالي وأنت العالي دائما، تردد وتدعو توجه فإذا بك البوصلة الاجتماعية والوطنية حين تغلبت على غدر الزمن الغادر.
ولد الرفيق الراحل فوزي شعبان الباقي بيننا بصوته وكفاحه وتجربته الغنية في 24-2-1963 في قرية شعب لعائلة عربية فلسطينية عريقة في الأصالة والانتماء الوطني. تمتد جذورها في باطن وعمق الأرض الدامونية، فهو اصغر اخوته والمكونة من خمسة عشر فردا في عين الحسود أمثال ليبرمان وبينيت ونتنياهو وكل الفكر الصهيوني، والده كامل شعبان. تشردت عائلة وآل شعبان مع مجموع العائلات الدامونية سنة 1948 لتستقر بعضها في الوطن في شعب وكابول وجديدة وفي مخيمات اللاجئين في لبنان وفي بلجيكا وأوروبا على وجد التحديد.
انتسب المرحوم أبو وئام إلى صفوف الحزب وهو في جيل الشباب المبكر إذ وجد ضالته الوطنية والثورية في صفوف الحزب الشيوعي والجبهة، فكان دائما متواجدًا في الصفوف الأمامية للنشاط والنضال السياسي والمواجهة، متحديا أساليب السلطة وعملائها. فقد برز كشيوعي شعبي صلب عنيد على الحق لا يلين مهما اشتدت الضغوطات، مرح المعشر صاحب الفكاهة الشعبية، طيب اللسان، كان يجلس في الدواوين وحلقات -النقاش مرفوع الهامة لا يجاريه احد في المواقف. كان يضفي طعم المتعة والمذاق والجو الطيب والأنيس على الجلسة. استمد ثقافته الثورية ووعيه السياسي والوطني من أدبيات ولقاءات الحزب الشيوعي وصحيفة الاتحاد والغد والجديد والدرب، عمل مراسلا متطوعا لصحيفة الاتحاد في مجال عمله في مكافحة السموم، عين مستشارا ومرشدا للجنة مكافحة المخدرات والكحول البرلمانية لسنوات عديدة. كان بارعا وملهما عن تجربة امتدت لعشرات السنين، اكتسب منها الكثير واكسب المجتمع خبرات أكثر واكبر في مكافحة جريمة العصر.
عزيزي فوزي شعبان أبو وئام، أخلد في نومتك الأبدية، سنواصل الطريق والمشوار الذي بدأته عازمين على تحقيق ما كنت تصبو إليه فإذا كان الوداع الأخير هو رمز الغياب الأبدي فان ذكرياتك وأعمالك وكفاحك وتجربتك الغنية الرائدة هي من سينير الطريق أمام السائرين على طريق النضال والكفاح المتواصل التي سرت عليها طوال حياتك الحافلة والمليئة بالكثير من عناصر المفاجآت الايجابية.
فسلام عليك مع كل بزوغ شمس الحق والحرية، وسلاك عليك ولك مع هبوب كل نسمة أمل على أراضي الوطن في الدامون وكويكات وغيرها.
(كويكات/أبو سنان)
//عنوان داخلي
الغالي فوزي شعبان كنت أشهر من نار على علم، تدفقت الجماهير من كل حدب وصوب لتودعك الوداع الأخير، وأنت القريب جدا إلى قلوب الناس والجماهير ولأنك زرعت الأمل في النفوس المطمئنة وأنقذت الغريق من الانتحار، عرفنا فيك الكثير من الخصال الرفيعة ومن الأخلاق والنفوس الحميدة والإنسانية
