عن التراجعات الأميركية

single
منذ توليه ولايته الدستورية، بدا الرئيس الأميركي باراك أوباما حيوياً ومتحمساً في القضايا الساخنة التي تشغل بال الرأي العام الأميركي، وتلك التي تُؤثر على المصالح الأميركية في العالم، وقد ظهر ذلك جلياً في اهتمامه وحماسه لإطفاء عناوين التوتر والصراع في منطقتنا العربية، ومن ضمنها بل وفي طليعتها الصراع العربي الإسرائيلي وفي مقدمته الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ففي اليوم التالي لتسلمه رئاسته في البيت الأبيض، اتصل أوباما بالرئيس الفلسطيني يوم 21/1/2009، وفي اليوم الثالث عيّن جورج ميتشل مبعوثاً خاصاً له في الشرق الأوسط، يتابع قضايا الصراع العربي الإسرائيلي والصراع الفلسطيني الإسرائيلي منه بشكل خاص، ورفع الرئيس الأميركي شعاراً ردده في كافة المناسبات يقوم على "تحقيق الأمن للإسرائيليين والعدالة للفلسطينيين من خلال تحقيق مبدأ الدولتين، دولة إسرائيل تعيش بأمن وسلام إلى جانب دولة فلسطين".
في 28 أيار 2009، التقى الرئيس أبو مازن مع الرئيس أوباما في البيت الأبيض وعرض عليه مطالبه ورؤيته بالنقاط الست الآتية: ضرورة طرح مبادئ للحل النهائي، من قبل الرئيس الأميركي وحل كافة القضايا:
الحدود، القدس، الاستيطان، اللاجئين، المياه، الأمن، والإفراج عن المعتقلين. أن تبدأ المفاوضات من النقطة التي وصلت إليها مع حكومة أولمرت. ضرورة تحديد سقف زمني لإتمام المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي.
تحديد مدة زمنية لإتمام انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط الرابع من حزيران عام 1967.
يكون إعلان الدولة الفلسطينية بعد استكمال الانسحاب، مع التأكيد على رفض الدولة ذات الحدود المؤقتة. بالتوازي مع استئناف المفاوضات على أساس تنفيذ مبادئ الرئيس أوباما، يقوم كل طرف بتنفيذ ما عليه من التزامات من المرحلة الأولى من خارطة الطريق، وتحديداً وقف النشاطات الاستيطانية بما في ذلك ما يسمى النمو الطبيعي وبما يشمل القدس، وإعادة الأوضاع على الأرض إلى ما كانت عليه في 28 أيلول 2000، وفتح المكاتب والمؤسسات الفلسطينية المغلقة في القدس الشرقية ورفع الحصار والإغلاق عن الضفة الفلسطينية وقطاع غزة على حد سواء. ومن جانبه، أكد الرئيس محمود عباس، استمرار تنفيذ الالتزامات المترتبة على الجانب الفلسطيني وفق خارطة الطريق.
وقد جاء رد الرئيس أوباما بالنقاط الآتية: علينا استعادة المصداقية لعملية السلام، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا بتنفيذ التزامات المرحلة الأولى من خارطة الطريق.
على إسرائيل أن تنفذ التزاماتها وتحديداً وقف الاستيطان بما في ذلك النمو الطبيعي. على الجانب الفلسطيني الاستمرار في تنفيذ كافة التزاماته والعمل على وقف التحريض. على الدول العربية أن تقوم بخطوات تجاه إسرائيل لتعزيز الثقة.
وعلينا استئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها في كانون الأول 2008. لن نقوم بطرح أي مواقف في المرحلة الحالية، وعلينا أن نرى كيف تتطور المفاوضات .
طلب من الرئيس أبو مازن وجوب استمرار بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية وتعزيز مبادئ المساءلة والشفافية والديمقراطية وسيادة القانون.
اعتبر أن إنشاء دولة فلسطينية، مصلحة أميركية عليا. وعلى أرضية هذا اللقاء، بين الرئيسين الأميركي والفلسطيني، أجرى ميتشل، (31 ) اجتماعاً مع فريق التفاوض الفلسطيني، خلال العام 2009، في فلسطين وخارجها، وكان السفير ميتشل حينما يلتقي مع صائب عريقات وفريقه يقول له "استمروا في تنفيذ التزاماتكم، فليس لدي ما أطلبه منكم، عملي الرئيسي يتركز على الإسرائيليين، فعليهم أن يدركوا أن عليهم 1- وقف الاستيطان بما في ذلك النمو الطبيعي. 2- استئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها في كانون الأول 2008، وعلى الدول العربية إيداع خطوات تطبيع مع إسرائيل عندنا، وذلك لتحفيز إسرائيل على القيام بالخطوات المطلوبة منها "وبقي ميتشل يقول هذا الكلام حتى شهر آب 2009، حين غير طريقة ومضمون كلامه وكشف عن أن الأميركيين لم يعودوا يريدون أية خطوات من الدول العربية، وأنهم لم ينجحوا في التوصل إلى أي اتفاق مع الإسرائيليين، ويبدو أنهم لن يحصلوا على كل ما يريدون من حكومة نتنياهو، وبذلك ترك انطباعاً على عدم استجابة الأميركيين لاستحقاقات التسوية وفق المبادئ المتفق عليها، وبالتالي احتمال تغيير مواقفهم المعلنة.
في 14 حزيران 2009، ألقى نتنياهو خطاباً، حدد فيه سياسات حكومته كما يلي : اعتبار القدس عاصمة موحدة لدولة إسرائيل لن يتم التفاوض حولها.
عدم السماح بعودة حتى ولو لاجئ فلسطيني واحد إلى إسرائيل. الاستمرار في البناء في المستوطنات تلبية لحاجات النمو الطبيعي. أما القدس فهي تعتبر أعمال بناء عادية ولا يمكن اعتبار ما يجري في الأحياء اليهودية (المستوطنات) بناءً استيطانياً، ورفض العودة إلى حدود الرابع من حزيران 1967. اعتراف الجانب الفلسطيني بدولة إسرائيل كدولة يهودية.
سيطرة إسرائيل على المعابر والأجواء الفلسطينية.
يحق للفلسطينيين عند موافقتهم على ما ورد أعلاه إعلان دولة (القصد مناطق أ+ب) أي دولة ذات حدود مؤقتة.
تكون هذه الدولة منزوعة السلاح. دعوة الجانب الفلسطيني لاستئناف المفاوضات دون شروط مسبقة. وبناءً عليه توصل ميتشل إلى صفقة اتفاق مع نتنياهو تدلل على تراجع الأميركيين عن سياساتهم المعلنة وبما تم الاتفاق عليه مع الفلسطينيين وهي تقوم على ما يلي: العودة إلى المفاوضات دون شروط مسبقة ( ! ).
ستشمل مواضيع المفاوضات: القدس، الحدود، المستوطنات، اللاجئين، المياه والأمن. لن تبدأ المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها في كانون الأول 2008 ( ! ).
لا تتم الإشارة إلى تفاهم رايس 30/7/2008 ( ! ).
يستطيع كل طرف أن يطرح ما يريد. ولمحاولة تغطية تراجع إدارة الرئيس أوباما عن مواقفها المعلنة، عرضت الإدارة الأميركية على فريق التفاوض الفلسطيني خلال شهري أيلول وتشرين الأول 2009، إرسال رسائل ضمانات أميركية تتضمن ما يلي: إقرار الإدارة الأميركية بأن الاستيطان الإسرائيلي غير شرعي.
إقرار الإدارة الأميركية بأن ضم القدس الشرقية إلى إسرائيل غير شرعي.
تتعهد الإدارة الأميركية ببذل كل جهد ممكن لإنهاء المفاوضات في مدة 24 شهراً تقوم عندها دولة فلسطين المستقلة.
ولكن الرئيس الفلسطيني رفض هذا العرض، رفضاً قاطعاً، وأعلم السيناتور ميتشل أنه لن يحضر اللقاء الثلاثي الفلسطيني الإسرائيلي الأميركي في نيويورك على هامش الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 22 أيلول 2009، والذي تقترح فيه واشنطن الإعلان عن استئناف المفاوضات النهائية.
وأمام هذا الموقف الفلسطيني، تراجعت إدارة الرئيس أوباما عن نيتها إعلان استئناف المفاوضات في اللقاء الثلاثي المقترح، وأصرت على عقد اللقاء بهدف تأكيد التزام الرئيس أوباما بمبدأ حل الدولتين وهذا ما تم، حيث أعلن كل طرف مواقفه السياسية بمعزل عن أية قواسم مشتركة.
وقد حاولت الإدارة الأميركية من خلال اللقاءات مع الرئيس أبو مازن (كلينتون وميتشل) في أبو ظبي وعمان، ومع صائب عريقات (جيم جونز وكلينتون وميتشل) في واشنطن وأريحا، الحصول على موافقة فلسطينية على مسألتين: الأولى استئناف المفاوضات من دون وقف الاستيطان. والثانية استئناف المفاوضات دون تحديد المرجعية لهذه المفاوضات. ولكن الرئيس أبو مازن رفض ذلك رفضاً مطلقاً، وذهب إلى أبعد من ذلك، حيث أبلغ الإدارة الأميركية عن عدم رغبته في الترشح لفترة رئاسية جديدة، مع الاحتفاظ لنفسه باتخاذ خطوات أخرى لم يعلن عنها.
وقد لخص صائب عريقات الموقف الأميركي أمام اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واللجنة المركزية لحركة فتح، بالنقاط الآتية: تراجع عن مواقف الرئيس أوباما بشأن وقف الاستيطان واستئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها في كانون الأول 2008. يريدون تغطية التراجع بإرسال رسائل تطمينات حول عدم شرعية الاستيطان وعدم شرعية ضم القدس، وعلى الرغم من الأهمية المعنوية لذلك، فلا أهمية قانونية لمثل هذه الرسائل. يكون نتنياهو قد شطب المرحلة الأولى والمرحلة الثالثة من خارطة الطريق، وأبقى على المرحلة الثانية أي تحويل خيار الدولة ذات الحدود المؤقتة إلى مسار إجباري.
يبدو أن تطورات الملف الإيراني، والأوضاع الداخلية الأميركية، والوضع في أفغانستان والعراق، كانت وراء التراجع الأميركي.
رحبت الإدارة الأميركية بقرارات نتنياهو حول الاستيطان في 25/11/2009.
h.faraneh@yahoo.com
قد يهمّكم أيضا..
featured

ياسمين والمساجين

featured

على نفسها جنت براقش!

featured

ايران والثورة...عودٌ على بدء (3)

featured

كلام في الهواء

featured

نقاط هامة في معركة طويلة

featured

ثورة ثورة حتى النصر

featured

صمودًا يا شعب الجبارين

featured

نتيجة مباشرة للتحريض الحكومي