ايران والثورة...عودٌ على بدء (3)

single

* لا يكتمل الدين عند الخميني الا اذا كان موجهاً ضد الاستعمار وقوى الاستكبار.. هذه النقطة هي التي جمعت الخميني الى ماركسيين من جهة، وهي هي التي أغرقت الغرب والحكام العرب ورجال الدين التقليديين في وحل  الكراهية الكاملة للخميني ولفكره، من جهة أخرى*

//


لم يكتف الخميني بتحضير الأرضية  الفكرية للثورة ولإيران بعد الثورة لكنه قام بتطبيقها بنفسه. مع العلم ان الخميني لم يكن مجرد رجل دين ومرجع تقليدي يسيطر على شبكة من المنظمات الدينية فحسب. بل كان وفي الأساس قائدا كريزماتيا من الدرجة الأولى وكذلك صاحب قدرة خطابية تصيب قلوب بسطاء الشعب الايراني بشكل لا لبس فيه.

هناك الكثير من الدراسات التي تحدثت عن تشابه الخمينية كحركة سياسية وبين الشعبوية (بوبوليزم) الأمريكية اللاتينية بالأساس.  الكاتب Ervand Abrahamian  في كتابه "Khomeinism: Essays on the Islamic Republic" اعتبر ان الخمينية تجسد بماهيتها التعريف الأساسي للحركة الشعبوية بكونها حركة للطبقة المتوسطة تتلاعب بمشاعر الطبقات الواقعة تحتها وبالأساس الفقراء في المدن بواسطة خطاب راديكالي يعارض الامبريالية والرأسمالية الأجنبية والمؤسسات السياسية القائمة. كما أنه يضيف أن للحركات الشعبوية قادة كاريزماتيين يستعملون اشارات ورموز، صور ولغة مفهومة وذات قيمة متجذرة في الثقافة الشعبية للبلد (Abrahamian,1993: 17).

أي ان الحركات الشعبوية تؤكد على الثورة الثقافية القومية وإعادة البناء السياسي بدل الثورة الاجتماعية –الاقتصادية بمفهومها الأعمق والماركسي.

باحثون آخرون ذهبوا الى أبعد من ذلك وادعوا أن الخمينية هي عبارة عن حركة فاشية ملائمة للعالم الثالث حيث يوجد هناك تشابه في البعد الأيديولوجي وفي الرفع من مكانة الموت البطولي بالإضافة الى الأبعاد اللا-ليبرالية واللا-مادّية واللا-شيوعية في ذات الوقت. ويذهب هؤلاء الباحثون الى كون الخمينية شريكة مع الفاشية في وجهة النظر القائلة إن الدولة مستقلة عن طبقات المجتمع بالإضافة الى استعمال الإرهاب في الداخل والشرطة السرية Moaddel, 1992: 257-262)).

لكن لا يبدو لي أن أيا من هاتين المقاربتين صحيحة بالنسبة للخمينية والتي وإن كانت حركة شعبوية فهي حركة شعبوية من نوع خاص حيث أضيف لها بعد ديني خاص بالأضافة الى أوجهها الأخرى.
أما الدخول الى باب تشبيه الخمينية بالفاشية (كما قرأت أيضاً قبل عدة أسابيع في مقال للكاتبة والمناضلة المصرية فريدة النقاش حول الفاشية الاسلامية، والرد عليها من قبل الرفيق محمد نفاع الأمين العام للحزب الشيوعي في البلاد) فهو من باب التبسيط والذي إن سرنا حسبه لكان بالامكان نعت أي حركة أو أي فكر بالفاشية!

الخميني كان واعياً للقدرة التجييرية للرموز والأساطير وخصوصاً لدى المؤمنين من الشيعة وحول رموز وأساطير دينية الى وسائل وأدوات سياسية تم تفسيرها من جديد وبشكل ثوري لدفع الجماهير لكي تتماثل مع قيم الثورة الجديدة.

القيادة الايرانية وخصوصاً الخميني تمكنا من استعمال أحداث ومناسبات كانت تعامَل في السابق كمناسبات دينية بحت، الى رافعات سياسية مثل ذكرى عاشوراء وهي ذكرى استشهاد الامام الثالث في العقيدة الشيعية، الامام الحسين، من خلال مجزرة قام بها الخليفة يزيد بن معاوية حيث ذبح الحسين و 70 من أبناء بيته في معركة غير متكافئة. هذه الحادثة أو "المصيبة" المشّكلة للوعي المظلومي لدى الشيعة تم تفسيرها بشكل ثوري بحيث تم تحويلها من مجرد حدث ديني من جهة ومجرد "صدمة عصبية مزمنة" أصابت المذهب الشيعي الى رمز "انتصار الدم على السيف" كما يذكر في الأدبيات الثورية  الشيعية. وتم تغذية الشعور القائل بأن موازين القوى وان دلت جميعاً على تفوق الشاه، والذي هو "معاوية هذا العصر" بحسب التصنيف الخميني، لن تستطيع كسر شيعة علي والحسين وهذه المرة ستكون الغلبة للحسين (الخميني) على معاوية.

لقد استطاع الخميني وقيادات الثورة الايرانية العمل على تشويش الحدود والزمان وجسر مئات السنين من التاريخ واستحضار أحداث تاريخية بالغة الأهمية في حياة الشيعة واستخدامها في أواخر العقد الثامن من القرن الماضي.

علاوة على ذلك، فقد أكثرت قيادة الثورة الخمينية من استعمال مصطلحات "شبه ماركسية" مثل مصطلحي: قوى الاستكبار مقابل المستضعفين، حيث تم قسم الشعب الايراني لا بل العالم أجمع الى فئتين متعارضتين الأولى تشكل الأغلبية المطلقة من الشعب الايراني ومن المسلمين في العالم وحتى من شعوب العالم بمجملة والتي هي فئة المستضعفين. في مقابل الفئة الحاكمة في ايران الشاة وحكام الدول الاسلامية الموالون لامريكا والولايات المتحدة نفسها والغرب الاستعماري واسرائيل.
هذا التقسيم أدى كذلك الى انفتاح إيران ما بعد الثورة على دول وأنظمة هي ليست اسلامية ولكنها وضعت في خانة المستضعفين لمواجهتها دول الاستكبار. مثل كوبا وفنزويلا شافيز وكوريا الشمالية وغيرها.

الخميني رأى الإسلام بشكل شمولي. واعتبره ليس مجرد دين للصلاة والصوم فقط وانما أيديولوجيا شمولية ثورية. لا يكتمل الدين لديه الا اذا كان موجهاً ضد الاستعمار وقوى الاستكبار حتى أنه قال في كتابة الحكومة الاسلامية:
 " لو لم يكن لنا من شغل نحن المسلمين سوى الصلاة والدعاة والذكر، لما كان للمستعمرين والدول الجائرة المتحالفة معهم أي مشكلة معنا، فاذهبوا وأذنوا وصلَّوا ما شئتم، وليأتوا هم وليأخذوا ما يشاؤون..... فصّلوا ما شئتم، فهؤلاء إنما يريدون نفطكم، ولا شغل لهم بصلاتكم. انهم يريدون مناجمنا، يريدون بلدنا سوقاً لمنتجاتهم." (الخميني، 1979: 21-22).

هذه المقولة وهذه الفقرة بالذات هي النقطة والمفترق الذي جمع الخميني الى ماركسيين من جهة وهي هي التي أغرقت الغرب والحكام العرب ورجال الدين التقليديين في وحل  الكراهية الكامله للخميني ولفكره؛ وهي بيت القصيد في عداوة دول خليج النفط  العربي ومجروراتها حتى من الأقلام "اليسارية" لهذا النظام، وليس مدى تقدمة أو رجعيته الاجتماعية أو موقفة الرجعي من حقوق المرأة وحرية الكلمة والحركة وما الى ذلك من الحريات (على أهميتها الحاسمة) التي ينعم بها مواطنو البلاد العربية طبعًا حتى "التخمة"..!

في خطاباته كان الخميني دائم التذكير والاستحضار لألقاب تاريخية ودينية قام بإلباسها لشخصيات القرن العشرين. وقد ساعد الشاة الايراني الخميني على ذلك حيث قام في السنوات الأخيرة لحكمة بتحضير احتفالية الـ- 2500 عام من الحكم الملكي في ايران رابطاً نفسه بشكل مباشر الى الحكام والأباطرة الفرس ما قبل الاسلام وكذلك قام الشاه بتبني لقب "الشاهنشاه" (ملك الملوك) وهو ذات اللقب الذي قال النبي محمد عنه إنه أكره الألقاب على قلبه من قبل أكثر من 1400 عام. وكان الخميني دائم الاستحضار لمقولة النبي هذه.

في مقابل ذلك أطلق أتباع الخميني عليه لقب "الإمام" وهو اللقب الذي كان يقتصر على الأئمة المعصومين لدى الشيعة. ولكن، بفعل قدرة الخميني الكريزماتية وتجديده في الفكر السياسي الشيعي تم اطلاق لقب "الإمام" عليه (من دون القصد بأنه معصوم من وراء اللقب)، وأمام شعب متدين مثل الشعب الايراني لم يكن هناك مجال للحياد في المعركة بين "الإمام" من جهة وبين "الشاهنشاة" أو "معاوية" من الجهة الأخرى.

 

(عرابة)
(يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

كل هذه «السفالة»!

featured

هواجس فلسطيني متفائل! متفائم! متشائل! متشائم! 2010

featured

عدوان ثلاثي على سورية

featured

لينين يتحدّث باحترام عن بطولة العرب

featured

سياسة كارثية حارقة