عَوْدَة

single

     يا الله .. ما أجمل الصداقة الحقيقيّة ، غير المبنيّة على المصالح . تعرّفت عليها في الجامعة منذ خمسين عام ، كنت مثل الطفل اليتيم الذي يجلس على مقعد الدراسة بالروضة . كنت مرتبكا ، لغة عبرية مشحّرة ، وإنجليزية أشحر . لم أفهم ما يقوله المحاضر ، ولا ألحّق كتابة ما يقول . عندما دخلت إلى تلك القاعة رمقتها بطرف عيني ، كانت تجلس وحيدة في منتصف الصف الأخير ، لم أجرؤ على الجلوس إلى جانبها ، كنت أخاف في حينه من جنس النسوان عامة ، ومن اليهوديات خاصة ، لكثرة ما أوصتني أمي .. أنا الولد الشاطر ، المنتمي إلى عائلة محافظة . جلست وحيدا على المقعد الذي يلي مقعدها في الصف ما قبل الأخير. لاحظت هي إرتباكي ، بادرت همسا في التعارف ، وقالت : لا تخجل !  ريلاكس ! لا تكتب ما يقوله المحاضر ! فقط اصغي له ، وأنا سوف أعطيك دفتر تلخيصاتي . خمسون عام تمر ، وأنا أتذكّر ذلك كأنه حدث بالأمس ! نتجرّج من الجامعة ، تتزوّج هي قبلي ، تنجب ، أتزوّج أنا ، أنجب . وتستمر علاقة الصداقة ... وكان من عادتنا أن نتهاتف بين الفينة والأخرى ، خاصة بأوقات الأزمات الكبرى . وكانت آخرها ، لا أمل أن تكون آخرها ، الحرب العدوانية الصهيونية الإسرائيلية على غزّة . كان صوت دانييلا كرمي مختنقا متحشرجا لهول المذبحة . وكالعادة كان كل واحد منا يأخذ شحنة من الآخر ... هي متشائمة ، وأنا متشائل ، ربما لشدّة ايماني بعدالة القضية إلى حد الجنون والهوس والأسطورة !  قالت : هل سمعت بـ "زوخروت" ؟ قلت : نعم . قالت : وبـ "عودة" ؟ قلت : سمعت بحق العودة . قالت : أقصد كتاب "عودة" ، سأرسله لك ، فلي قصة بين طيّاته . وكان من عادتها إرسال مؤلفاتها بالعبرية ... عودة هو كتاب يعتبره البعض جنوني . وكثيرا ما تحاذي العبقرية الجنون . صدر قبل سنة تماما (أيلول 2013) عن جمعية زوخروت ودار نشر برديس ، ويحتوي على أحدى عشر قصة عبرية وعربية لكتّاب محلّيين يهود ومسيحيين ومسلمين ، وكل قصة منشورة باللغتين .  وقد طلب من كل كاتب أن يتخيّل الأوضاع بعد تحقق حق العودة . أي "شهادات متخيّلة من مستقبلات ممكنة" ، كما جاء في العنوان . كأن العودة محسومة ، على الرغم من كل الجنون الذي نعيش ... أي نعم يا طويل العمر ، حُلم ! لكن الواقع يبدأ بالحلم لعقل مبدع ، عبقري ، مهووس بالمثابرة ،  فالدوام يثقب الرُّخام ، كما يقول المثل الجزائري .

قد يهمّكم أيضا..
featured

أجاك يا بلوط مين يعرفك!

featured

مدن عربية بلا ذاكرة

featured

كانت خطوة وحدويّة فلنحافظ عليها

featured

جريمة بمسؤولية إردوغان أيضًا!

featured

ليتواصل سحْب البِساط!

featured

الاعتراف بدولة فلسطين ضمان لشرعية اسرائيل

featured

ذكاء... أمْ غباء...أمْ فجور...!؟

featured

لو كانت اقتراحات أردوغان صادقة...