أجاك يا بلوط مين يعرفك!

single

النضال الشعبي يوفر أسباب صمود هذا الشعب الأعزل

 

من يعتقد أن النضال الشعبي هو بمثابة عصا سحرية ستجلب الحل العادل بضربة واحدة، هو مخطئ. هذا النضال تراكمي وهدفه واحد لا غير هو تحقيق الدولة والاستقلال.

 

كسبت حكومة شارون الرأي العام الإسرائيلي والعالمي، عندما طرحت قضية التفجيرات الانتحارية بصفتها القضية المركزية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وبارك العالم، إما بالصمت أو تأييداً سافرًا، للبطش الإسرائيلي غير المسبوق ضد الشعب الفلسطيني. واستطاعت حكومة شارون أن تخفي كل قضية الشعب الفلسطيني العادلة، تحت ستار محاربة ما أسمته الإرهاب أولاً، وكأن احتلالها جزء من "بكنيك" في أحضان الطبيعة ليس إلا.
وكان المستمع لأقوال شارون يعتقد وكأن هذا الشخص متلهف على إقامة الدولة الفلسطينية وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة وحل قضية اللاجئين.. مع كل حبات المسك في السوق. كل ذلك طبعًا.. بعد أن يتوقف "الإرهاب".
الحقيقة أن مصالح اليمين في إسرائيل لا تتساوى بالمرة مع ما يسموه "وقف الإرهاب"، فكما في إيران كذلك هنا؛ هم يريدون حجة من أجل استمرار سياستهم. وفضح رئيس الموساد مئير دغان الطابق حينما أعلن أن مصلحة إسرائيل تتطلب نجاح احمدي نجاد في الانتخابات. ولذلك شاهدنا مرة بعد مرة، في عهد عرفات وفي عهد أبو مازن، كيف كان شارون نفسه يقوض أي اتفاق بوقف العنف، من خلال استفزاز إسرائيلي خبيث: إما من خلال الاعتقال أو من خلال الاغتيال، معتمدًا على المبدأ القائل أن  لكل فعل رد فعل، وبذلك يعودون لدمغ النضال الفلسطيني بالإرهاب وخاصة أن في خدمتهم آلة إعلامية جبارة.
ولم يكن ذلك جديدًا على شارون من أيام قبية في بداية الخمسينات، وفي استفزاز سوريا قبيل حرب 67. وقبل ذلك إذا رجعنا في التاريخ البعيد، ومن المهم قراءة كتاب "إطلالة على القضية الفلسطينية" للمفكر الفلسطيني الكبير عبد المجيد حمدان، حيث يتحدث عن قلق بن غوريون حين كان العرب ينحون بشعاراتهم وأفعالهم نحو السلم، لأنه كيف يمكن تفسير طرد شعب بأكمله من أرضه سوى بفرية أن العرب يريدون إلقاء اليهود في البحر.
على كل حال، نحن قلنا من اليوم الأول أنه ممنوع عسكرة الانتفاضة، وأن اللعب في هذه الساحة هو بالضبط ما تريده الآلة العسكرية الإسرائيلية. وقلنا أن النموذج الذي اجترحته الانتفاضة الأولى، على شكل مقاومة شعبية سلمية، قادر أن يوحد كل قوى الشعب حوله وهو النموذج المنتصر، وقلنا أكثر من ذلك عن استهداف المدنيين، بأن ذلك ليس فقط لا يخدم القضية الفلسطينية، بل يضرها، بينما الشعب الفلسطيني بحاجة لدعم الرأي العام الإسرائيلي الديمقراطي والعالمي.
لم نقل نحن ذلك فقط. لقد قالت ذلك أيضًا قيادات فلسطينية تميزت بديمومة موقفها حتى في أحرج الأوقات وحتى في أيام كانت فيها جرائم الاحتلال تزعق للسماء، ومع ذلك حتى في أوج هذا الغضب، تمسكوا بموقفهم. ومن هؤلاء أبو مازن، الرئيس الفلسطيني وسلام فياض، رئيس الحكومة الفلسطيني، وغيرهم الكثيرين.
صحيح أن لا أحد يتعلم إلا من كيسه، كما يُقال، ولكن جيد أن الناس تتعلم حتى لو بعد حين. والشعب الفلسطيني بعد تجربة باهظة الثمن، يختار الطريق الذي لا مناص من اختياره. والخيار لم يكن يومًا خيار بين النضال المسلح أو الاستسلام، فالاستسلام لم يكن مرة خيارًا لهذا الشعب وتاريخه يشهد.
اليوم يختار الشعب الفلسطيني خياره الصحيح، النضال الشعبي، وهو النضال الأجدى والأقل تكلفة، وبإمكان ضم شعب كامل، على كافة شرائحه الاجتماعية والسياسية، تحت سقفه. وها هي التجربة تجدي، النضال ضد منتوجات المستوطنات، وهذا الجنون الإسرائيلي اليميني حول هذه المقاطعة، هو الدليل أنه نضال في الطريق الصحيح.
"كيف يجرؤ الفلسطينيون على المقاطعة؟" يتساءل أحد قادة اليمين، بحرقة، محاولاً إظهار المقاطعة وكأنها بمثابة عملية انتحارية؟ ويرد علي المذيع الإسرائيلي، بغضب جراء هذه الوقاحة: "وماذا ستفعل بهم هل ستطلق النار عليهم؟".. فكل العالم يقاطع منتوجات المستوطنات، فهل تريد بالذات من الفلسطينيين، أن لا يقاطعوا؟
في حينه بعد كل عمل انتحاري، وأمام الدم المسفوك، كان رجالات اليمين يصولون ويجولون، يؤلبون  ويحرضون، ويستبيحون دم الشعب الفلسطيني. اليوم يظهر صوتهم أمام هذا النضال العادل، خافتًا منقطعًا عن الواقع والمنطق. وكل تهديداتهم تظهر مدى ضعفهم.. وسيتراجعون لأنه نضال عادل.
وقد يأتي إلينا أحد، من هنا ليزاود على قيادة الشعب الفلسطيني، التي خلافًا عنه أيديها في النار، وليتساءل: "ماذا استفاد الفلسطينيون من المفاوضات؟"، فيمكن الرد ببساطة، أنهم بالإضافة للمفاوضات، فإنهم يناضلون، وهذه إضافة في منتهى الأهمية، ويناضلون على رؤوس الأشهاد، والأهم أن الذي يفاوض هو أيضَا من يقاوم، وعلى حكومة نتنياهو أن تخضع للأمر الواقع، ويظهر أنها خضعت، فبالرغم من كل صراخ اليمين لوقف المفاوضات بسبب الموقف من القدس، وبسبب معركة السلطة الدبلوماسية ضد إسرائيل في المحافل العالمية، وبالرغم من الموقف الفلسطيني الرسمي لمقاطعة منتوجات المستوطنات، فالمفاوضات غير المباشرة مستمرة..  وهذا هو الموقف الصحيح، نضال تحت غطاء سياسي مسؤول. ومن دلائل نضج وحكمة هذا الموقف أن المقاطعة موجهة ضد بضائع المستوطنات وليس ضد البضائع الإسرائيلية.. وهذه رسالة مهمة للجمهور الإسرائيلي.
والأمر الثاني أن هذا لنضال يوفر أسباب صمود هذا الشعب، الذي تم استنزاف قواه في معركة غير متكافئة بالمرة بين جيش مدجج بالسلاح وبين شعب أعزل، ليواصل عملية البناء على المستوى الفردي وعلى المستوى العام، من مؤسسات وبنى تحتية لإقامة الدولة.
والأمر الثالث هنا، أن من يعتقد أن هذا النضال هو بمثابة عصا سحرية، ستجلب الحل العادل بضربة واحدة، هو مخطئ. هذا النضال تراكمي وهدفه واحد لا غير هو تحقيق الدولة والاستقلال.
والأمر الرابع، هو ما هو البديل؟، كل بديل آخر عن النضال الشعبي، في ظروف الشعب الفلسطيني الحرجة، سيجلب النتائج العكسية، والتجربة أثبتت ذلك.
أردت أن أختتم المقال بالمثل الشعبي: "احترنا يا قرعة منين نبوسك"، على الصلف الإسرائيلي، على أساس أنهم رفعوا، في حينه، شعار لا مفاوضات قبل إنهاء الإرهاب، وعندما التزم الطرف الفلسطيني بتعهداته، يرفعون الآن شعار لا مفاوضات قبل إنهاء المقاطعة، ولكنني وجدت أن المثل غير صائب في هذه الحالة، لأننا ندري ماذا يريدون، يريدون التفجيرات والأعمال الانتحارية لكي يطلقوا أيديهم في ضرب الشعب الفلسطيني. 
 ولذلك يمكن القول في هذه الحالة، أمام غضبهم وإحباطهم أمام هذا النضال الفلسطيني: "أجاك يا بلوط مين يعرفك"، فالشعب الفلسطيني، بقيادته يعرف من أين تؤكل الكتف.

قد يهمّكم أيضا..
featured

دعـايـةٌ اسمُها: مـيـثـاقُ شـرف!

featured

أحمد الأسمر في قبرص والقائد في لينينغراد

featured

نعم، هناك تصعيد والمسؤول إسرائيل!

featured

الشيخ جرّاح لأهله يا محكمة "العدل"!

featured

الولادة المتعسرة

featured

"الرجّال" لا يغيّر كلامه

featured

ناصيف بدر كان واحدًا من هؤلاء