أحمد الأسمر في قبرص والقائد في لينينغراد

single

رثاء الرفيق والصديق الدكتور أحمد سعد يستوجب أيضا تعريف الأجيال الصاعدة على طبيعة الإنسان الذي كان في داخل هذا الشيوعي، الذي آمن بكل جوارحه أن صراع الانسان يجب ان يكون بالطبيعة وليس بالانسان، فكان يقول إن الأساطير لا تترك فراغا، وطبيعة البشر هي بالاساس ايجابية وجميلة وكل منا في داخله ووجدانه لا يقل ايجابية عن الآخر.
التقيته مع رفاق آخرين في جزيرة قبرص في العام 1969، التي كانت تعتبر لنا محطة انتقال نحو الاتحاد السوفييتي، إذ كنت ضمن أولى البعثات التعليمية إلى الاتحاد السوفييتي في سنوات الستين الأولى من القرن الماضي، وفي تلك الأيام كنت قد فقدت صبري وأنا انتظر التأشيرة لدخول الاتحاد السوفييتي، فجاء اليّ الرفيق أحمد وأضحكني وهدأ من روعي بوجهه الأسمر الشاب وعرض عليّ التجول في نيقوسيا، بصفتي قد بت أعرف شوارعها بعد انتظار شهر كامل.
وتحدثنا في حينه عن الحزب وخلايا حزبنا في الاتحاد السوفييتي، وسمعنا الموسيقى العربية والسورية في شوارع نيقوسيا، وافترقنا بعد يومين، بتوجهنا إلى الاتحاد السوفييتي.
وبوصولي إلى موسكو سافرت بالقطار من موسكو إلى مدينة لينينغراد، فكان لقائي برفيقي وأخي عفو اغبارية، فتعانقنا وما زلنا متعانقين، وبوصولي إلى لينينغراد التقيت مجددا بالرفيق أحمد، الذي كان في حينه سكرتيرا لفرع حزبنا الشيوعي في تلك المدينة العريقة، ورغم ان عددنا كان قليلا، إلا أننا كنا بارزين على مستوى النشاط السياسي بين الطلاب الأجانب والعرب.
لم تكن الايام سهلة، حتى على مستوى النقاش السياسي مع طلاب من الدول العربية، ومنهم من بعض الأحزاب الشيوعية، في تلك الأيام الصعاب، إذ أن آثار النكبة وما بعدها النكسة كانت ما تزال قوية جدا، إلى جانب ما كان يشاع عنا نحن البقية الباقية في وطنها، من ذوي القربى ظلما، أثار الكثير من التوترات.
ولاحظت بالرفيق أحمد سعد رفيقا ثوريا صلبا واجه التحديات والنقاشات، وكنا في كل يوم نحقق مكاسب أكثر في الاقناع، وكان هو أيضا مرجعا لرفاقنا الذين كانوا يصلون سنويا إلى الاتحاد السوفييتي لتقلي العلم.
من الذكريات اللطيفة التي تجمعني مع الدكتور سعد من تلك الايام، هو أنه بعد محاولة اغتيال السكرتير العام الأسبق لحزبنا ماير فلنر، على خلفية موقفه من عدوان حزيران 1967، وخطابه- خطابنا السياسي الواضح والثاقب، جاءنا رفيقنا أحمد ليبلغنا أن رفاقنا السوفييت صادقوا لنا على اجراء دورات تدريب في الدفاع عن النفس، وكان الرفيق أحمد مُصرّا على الالتزام وحضور الجميع، فيا ويل من تذمر أمامه من حالة الطقس.
رفيقنا أحمد وخلال تواجده للعلم في الاتحاد السوفييتي لم ينس قط ذكريات الوطن، ولكن على لسانه دائما كانت البروة، التي تم تهجيره منها وهو طفل مع عائلته، فأحاديث وذكريات البروة التي جمعها ممن كانوا اكبر منه جيلا، نقلها معه إلى الاتحاد السوفييتي ليحكي لنا ولكل من صادقه وزامله عنها.
لقد انهى الرفيق أحمد دراسته وعاد إلى الوطن بروح ثورية أكبر، أحبته الكوادر ورفعته إلى اللجنة المركزية للحزب لأول مرة في العام 1985 بقرار مؤتمر، إذ لم يكن مرشحا في حينه من اللجنة المركزية، وهذا دلالة على حب الكوادر له وتقديرها لنشاطه واخلاصه وتفانيه.
لقد ترك الدكتور سعد إرثا علميا وثقافيا وأدبيا وتراثيا، جديرا بأن يحفظ وأن يطبع من جديد، فالدكتور سعد كتب في الاقتصاد- تخصصه، وكتب في السياسة، وفي سنواته الاخيرة كتب عن تراث نحن تواقون للقراءة عنه أكثر، والأجيال الصاعدة تستحق أن يكون بين ايديها تراث الرفيق أحمد سعد.

قد يهمّكم أيضا..
featured

للمرأة مكانة هامة...

featured

إمتحان في الصمود والثبات!

featured

مقاومة شعبية للاستيطان

featured

الإنتحار العقلي

featured

في رحيل الأحباء

featured

"إمسكوني"

featured

للخروج من المربع الأمريكي

featured

مكتب رئيس الحكومة.. حاسّة سادسة مثًلا؟