في رحيل الأحباء

single

في هذا الأسبوع تأتي ذكرى الأربعين لعزيزَيْ قوم رحلا ولم يرحلا.. في اسم الأول يجتمع الجمال والطرب، ولدى الثاني يحلو الحبُّ والأدب.
كان جمال طربيه الذي كنت ألتقيه في المناسبات الوطنية والأدبية سيِّد قوم يريد الخير لأهله عرب هذه البلاد.
كم أحبَّ الأرض فهو من صُنّاع يومها.. وكم من مرةٍ ذكّرني بسيد مكاوي مرددًا مطلع أغنيته (الأرض.. بتتكلم عربي).
في قامته تعانق حُبّان: حب الارض وحُبّ لغة قومه. كان رحمه الله يقول إنه يلتقيني كلَّ ثلاثاء في زاوية (صباح الخير). كم توردت وجنتاي وحاولت الانحناء أو بالأحرى الاختفاء عندما كنّا في افتتاح حديقة البروة في رام الله لذكرى فقيد الشعر والوطن محمود درويش. كم أحرجني عندما نادى مسئولا في الاتحاد منذرًا بأنه سيوقف اشتراكه في الاتحاد إذا ما استمرت في نشر ما لا يُفهم في زاوية صباح الخير.. لقد ذبت خجلا وأنا اسمعه يتساءل طالبًا: أريدكم أن تجعلوا كُلّ الصباحات يوم ثلاثاء.
طيَّب الله ثراك أيها الصديق الكبير.. إن كلامك هذا عباءة فضفاضة على أجساد عارفي فضلك وأنا احدهم.
إن زاوية صباح الخير التي نتعطر بأريجها كل صباح تشمخ بالقراء الأوفياء أمثال أبي أدهم. هكذا أراد أبو أدهم تكريمي في الحياة. ألف سلام على روحه في الحياة والممات وألف سلوى وتحية إجلال للسيدة أم أدهم وأهل بيتها الكرام.. يقيني أن بيتكم سيبقى دفيئة صدق لانتماء وفكر  راحلنا الكريم.
أمّا العزيز الثاني الذي انتقل إلى الاخدار السماوية، فكان الدكتور حبيب بولس.. زميل وصديق وابن صف أم أولادي.
في نثار الذكريات التي لن تنتثر ولن تندثر اذكره جليسًا حلو المعشر وعذب الحديث. كم كان يضحك عندما كنت أعايره أنّه وزوجتي جاءا الحياة على جناحي النكبة.. مع رؤيتهما النور بدأت المآسي تنخر عظام العرب.
في هذه الذكرى أضع الدعابة جانبًا لأقول إنّ عام (1948) أتانا بجيل من الأحبة تهاوت المحن في محضر حروفهم وإبداعاتهم. إنَّ دراسات حبيب واجتهاداته تبعث فينا الأمل بأنّ أمَّة يكثر فيها أمثاله عصيّة على الزوال ولن تفتك بها النكبات والويلات.
(الناس تكبر بما تُنجز).. هكذا كان حبيب في حياته.. لقد أنجز الكثير الكثير.. لم يسكت يومًا عن الكلام المباح في الأدب والنقد والالتزام الوطني وتوثيق القرويات.
لو سكتت شهرزاد عن كلامها المباح لماتت وأخذت معها شهريار إلى عالم النسيان.
رِفعة الاصلاء لن يشوشها ترّفع، وعُلوّهم لن يكتنفه تعالٍ.. أنت يا حبيب حيٌّ بين محبيك وعارفيك. أما أنتِ أيتها العزيزة ناهدة.. فبماذا أخاطبكِ؟
لن أخاطبكِ كمن لا رجاء لهم. لقد نشأتِ في بيت دافئ مؤمن وفي أحضان عائلة صديقة كريمة.. عائلة علّمتك الصبر والوفاء واحترام الناس.. لكِ وللأولاد ولأهلك وأهل حبيب صادق المواساة وحسن العزاء.
قضاء الله فوق كلِّ قضاء.
قد يهمّكم أيضا..
featured

رُبَّ ضَارَّةٍ نَافِعَة..

featured

بين الشعب والسلطة في فلسطين

featured

سياسة كارثية حارقة

featured

المواجهة مع الفاشية

featured

عارهم في هذا الوطن الذبيح