[في قاعة مدرسة عبلّين الإعداديّة اجتمع بعض أهل عبلّين يوم السبت (13/11/2010)، طلبةً ومعلّمات ومعلّمين ومنظِّمين ومبادِرين وشخصيّات اجتماعيّة ومرشَّحين لانتخابات السلطة المحلّـيّة التي ستجري بعد عشرة أيّام (في الثالث والعشرين من تشرين الجاري)، اجتمعوا في إطار احتفاليّة قصيرة متواضعة. كانت تلك الاحتفاليّة ابتغاءَ التوقيع على ميثاق تعهُّد والتزام وشرف، وكان لي شرف العرافة والافتتاح والتوقيع، وشرف كتابة الميثاق مستعينًا ببعض المبادِرين الآخَرين. معظم ما سأسوقه في ما يلي هو ما قلتُهُ في الاحتفال، وبعضه هو ما كان في نيّتي قوله لكنّي أرجأته]
ليست احتفاليّتنا هذه دعاية انتخابيّة لأيّ من المرشَّحين. هكذا يحلو لي أن أرى الأمور، رغم أنّ هناك مَن قد يرى فيها دعايةً ما مِن ناحيةٍ ما؛ وذلك أنّ امتناع أيّ مرشَّح عن الاشتراك في مناسَبة كهذه لا يَصبّ في مصلحته الانتخابيّة.
ماذا يمكن لمشارَكة المرشَّح في هذا اليوم أن تعني للجمهور؟
مشاركة المرشَّح يمكنها أن تعني للجمهور أنّ السياسة والانتخابات ليست أكاذيب بالضرورة، ولا ابتعادًا عن الأخلاقيّات الساميَة.
لدى الجمهور، مشاركة المرشَّح يمكنها أن تعني أنّه حريص حقًّا على هذا البلد.
لدى الجمهور، مشاركة المرشَّح يمكنها أن تعني أنّه قادر على المساهمة في العيش المشترك وفي ممارسة الديمقراطيّة والحرّيّة على نحوٍ مسؤول في هذا البلد.
احتفاليّتنا هذه ليست دعاية انتخابيّة لأيّ من المرشَّحين. صحيح، لكنّها دعاية! هي دعاية لعبلّين. دعاية لعبلّين من خلالكم أنتم، أيّها المرشَّحون. من خلال وجودكم هنا الآن وتوقيعكم على ميثاق التعهّد والالتزام والشرف، سنبثّ "دعاية" صادقة طيّبة عن عبلّين أمام مجتمعنا. بواسطتكم، بحضوركم، بجهودكم، باجتماعكم المشرّف المنعش هنا ستكون عبلّين أجمل. نحن هنا اليوم نستغلّ وجودكم وتوقيعاتكم على ميثاق الشرف لنقول: هذه هي عبلّين التي نريد. هذه هي عبلّين التي تُشرِّفنا حقًّا. الشرف ليس بضاعة نستوردها. الشرف حالة نخلقها. الشرف حالة تنبع منّا نحن، من سلوكنا، من مدى قيامنا بواجباتنا وبالدفاع عن القِيَم الإنسانيّة.
لي أمنيات يشاركني فيها كثيرون كثيرون من أبناء عبلّين، أسوق هنا بعضًا منها...
ليت المرشَّحين لا يبالغون في إغراق شوارع القرية وجدرانها وأعمدة الكهرباء بالأوراق واللافتات! البيئة تناديكم وتستصرخكم. أعرف أنّ النداء متأخّر الآن، بعد أن امتلأت الأماكن العامّة وبعض الخاصّة بالصور والكلام؛ لكن أملنا في أن يؤخَذ هذا في الاعتبار في ما تبقّى من أيّام لانتهاء الحملة الانتخابيّة، وفي الحملات الانتخابيّة القادمة.
ليت الفائزين يقلّصون بقدر الإمكان مَظاهر الاحتفاليّات! للأسف، يمكن للاحتفاليّات أن يفهمها البعض على أنّها استفزازات موجَّهة إليهم هم.
ليت الفائزين لا يقيمون أعراسًا، وليت غير الفائزين لا يعلنون الحِداد! وإن كان لا بدّ من إقامة عرس (وأعتقد أنّه لا بدّ من ذلك)، فليت هذا يكون باجتماعكم معًا في بيت الرئيس المنتخَب. من الضروريّ وجودكم معًا بعد ظهور النتائج. تصرُّف الكثيرين من جمهور عبلّين سيكون بحسب تصرُّفكم أنتم. تصرُّفكم بعد الانتخابات أهمّ بكثير من تصرّفكم قبلها. نادي المحبّة رفع شعارًا بسيطًا بسيطًا، عظيمًا عظيمًا، ترونه هنا في هذه القاعة مكتوبًا على لافتة متواضعة الحجم، وسترون مثلها معلَّقًا في بعض أنحاء عبلّين: "قبل وبعد الانتخاب، كلّنا أصحاب". ليت المرشَّحين يساعدون النادي في تحقيق هذا الشعار!
من المهمّ كيفيّة التصرّف بعد الفوز. ومن المهمّ كذلك، بل ربّما من الأهمّ، كيفيّة تصرّفنا بعد الخسارة. بعد الفوز، لا حاجة لنا إلى إقامة الاحتفالات الصاخبة المضجّة. بعد الخسارة، من المهمّ أن نكون في حالة من التفهّم والإقرار بالواقع.
دعونا نتحدّث بمنتهى الواقعيّة. من بين مرشَّحي الرئاسة الخمسة، لن يُكتَب الفوز إلاّ لواحد منهم فقط. وقوائم العضويّة الثماني المتنافسة على تسعة مقاعد في المجلس المحلّيّ، قد لا يُكتب النجاح لجميعها. قد تكون الخسارة من نصيب إحدى هذه القوائم أو أكثر من واحدة. الفوز غير مضمون لأيّ كان. لكن في المقابل، النجاح مضمون لجميع المرشّحين إن أحسنوا التصرّف، والفشل مضمون لجميعهم إن أساءوا التصرّف. أيّها الأعزّاء، ليت مَن لن يُكتَب له الفوز ينجح في أن يحظى بمزيد من الاحترام والتقدير! سيفوز بمزيد من الاحترام والتقدير حين سيأتي إلى الفائز من بيننا مهنّئًا إيّاه مصافحًا متمنّيًا له وللبلد كلَّ خير. سيكبر في عيوننا وفي قلوبنا، بلا ريب. في هذه الحالة، أن تكبر في عيون وقلوب كلّ أبناء بلدك، المؤيّدين منهم وغير المؤيّدين، يعني أنّك كبير، أنّك إنسان كبير حقًّا. يعني أنّك إنسان لن يعرفه نسيان.
ليت المرشَّحين لا يتركون للمتسرّعين السريعي الاشتعال أن يقرّروا في سير الانتخابات وفي مصير البلد. كانت الحملة الانتخابيّة حتّى اليوم هادئة هادئة، ونريدها أن تتابع هدوءها. إن حصلت مشاكل، لا قدّر الله ولا سمح، فإنّ الفتيان الصغار -في المعتاد- هم الذين سيُحْدثونها أو يشعلونها. من غير المقبول أن تُترك الساحة في هذه الساعة للشبّان المنفعلين الذي لا يقدرون عواقب الأمور على نحوٍ صحيح متأنٍّ متمهّل. الكبار هم الموجِّهون. أجل، الكبار هم الموجّهون. والمرشَّحون أناس كبار.
ليت المرشَّحين يأخذون دورهم في منع أيّ توتّر خلال الانتخابات وبعدها! ليت المرشَّحين يتطرّقون في برامجهم الانتخابيّة إلى الأساليب أو الآليّات أو الطرق لمعالجة ظواهر العنف التي باتت متوقَّعة وواقعة في بلدتنا منذ أعوام، وفي كلّ بلداتنا التي كانت يومًا عنوان سلْم وسلامة، وأمست اليوم مثارَ عنف وندامة! ما أقصده هو أن نقرأ في برامجهم اقتراحات عمليّة لا تعهّدات فحسب. مَن كانت عبلّين عزيزة عليه حقًّا، فليحارب الاحتراب الطائفيّ والعائليّ والفئويّ من أيّ نوع كان. مَن كانت عبلّين عزيزة عليه حقًّا، فليمارس دَوْره في مكافحة العنف أو في العمل على تقليصه ممارَسةً حقيقيّة فعليّة.
أيّها المرشَّح العزيز، لا عليك! أيّها المرشَّح العزيز، لهفي عليك! إذا انتخبوك، فقد منحوك وحمّلوك. إذا انتخبوك، فقد منحوك ثقة وتكليفًا. إذا انتخبوك، فقد حمّلوك مسؤوليّات ومهامَّ جِسامًا. وإذا لم ينتخبوك، فقد حرموك وأراحوك. إذا لم ينتخبوك، فقد حرموك التلذّذ في أن تنال ثقةً كنتَ ترغب في الحصول عليها. إذا لم ينتخبوك، فقد أراحوك من المسؤوليّات وأوجاع الدماغ. من الواضح أنّه ثمّة وجهان اثنان للعمْـلة. في الحالتين، في الفوز والخسارة، حلاوة ومرارة. وتأسيسًا على هذا، أرجو في أسوأ الحالات والتعابير أن تسمّوا عدم الفوز خسارةً، خسارةً لا هزيمةً، ولا سقوطًا، ولا رسوبًا. وفي أحسن الحالات، ليتكم تسمّون عدم الفوز إعفاءً! وفي الحالات المغرقة في التفاؤل والإيجابيّة، ليتكم تسمّونه إنقاذًا!
ختامًا، أيّها الإخوة، أعود إلى الأمنيات... ليتنا نتكلّم بلغة المستقبَل، كي نكون حاضرين في هذا الحاضر. ولغة المستقبل أراها وأسمعها تقول:
المدارس في سبيل الإنسان، لا العكس.
المجالس في سبيل الإنسان، لا العكس.
الكنائس والمساجد وسائر المعابد في سبيل الإنسان، لا العكس.
الأديان في سبيل الإنسان، لا العكس.
كلّ شيء في سبيل الإنسان. ومَن خدم الخليقةَ، فقد أرضى الخالقَ.
