بوسع الزائر إلى أيّ عاصمة أو مدينة أوروبية أن يتناول فنجاناً من القهوة في مطعم أو مقهى يعود إلى القرن التاسع عشر، وأن يتعرف إلى زاوية، في ذاك المطعم أو المقهى، اعتاد الجلوس فيها روائي شهير عاش قبل قرن أو أكثر، أو ارتادها فنان أو شاعر.. ولكن هل بوسعنا أن نجد في مدننا العربية مقهى كهذا، وإذا ما وجدنا مقهى قديماً نسبياً عمره بضعة عقود، سنكتشف أنه فقد الروح التي كانت له، والطقس الذي ميزه.
بالأمس فقط قرأتُ مرثيةً كتبها كاتب مغربي لمدينته التي يحبها، وتربى فيها وكتب نصوصهُ مستوحاة من ذاكرتها ومن أماكنها، من بحرها وأحيائها ومقاهيها وشوارعها و«زنقاتها»، يتوجع الكاتب الزبير بن بوشتى لفقدان مدينة كان يعرفها إلى مدينة أخرى تُغْتصب ذاكرة أمسها الجميل ومعالمها ومواقعها التاريخية وعذرية غاباتها، وتكتسح جرافات الهدم المتطورة فضاءاتها الجميلة، فلم تعد تنتمي إلى أطفالها بعد أن بخلت عليهم بفضاءات خُضْر وبحدائق للتنزه، فضاءات كانت ذات يوم بساتين غناء قبل أن تتحول إلى مزارع تستبيحها العمارات الشاهقة بوقاحة معمارية فظة.
مثل هذه المرثية يمكن أن نقرأها عن بيروت وعن دمشق وعن القاهرة والإسكندرية، وعن بغداد والبصرة، وعن غيرها من مدننا العربية في المشرق والمغرب، التي تُخلي مكانها لمدينة جديدة لا تشبهها، لا في الروح ولا في المعمار ولا في التواؤم مع البيئة، مدينة بلا معالم تحمل هويتها الخاصة، التي كانت تحمل البصمات العبقرية للمعماري القديم، وتتخلى طوعاً عن معالمها، فتولد فيها أجيال بلا ذاكرة، لأن المدينة الجديدة قامت على أنقاض مدينة فقدناها، توارت هي وتوارت معها ذاكرتها، فما الذاكرة إن لم تقترن بالأماكن؟
أخفقت التخطيطات النظرية الفقيرة والمحدودة في متابعة الانقلاب الذي جرى في حياة مدننا العربية، وإذا كان صحيحاً أن المدينة العربية، حتى من دون الهجرة إليها من الريف، منقسمة اجتماعياً، فإن ترييفها من خلال النازحين إليها، أدى إلى نشوء تمايز حاد بين سكان المدينة الأصليين وهؤلاء «الغرباء» القادمين إليها، إذ لم تكن، وهي المأزومة أصلاً، قادرة على أن تستوعبهم، وتدمجهم في قطاعاتها الحديثة، فكان أن حولتهم إلى جيش من العاطلين السافرين أو المقنّعين، فيما كانت الثروة تتراكم في أيدى حفن صغيرة من المضاربين وتجار العملة ومن على شاكلتهم.
يكفي أن نستذكر أو نعيد قراءة المنتج الإبداعي العربي عن صورة المدينة العربية في مطالع القرن العشرين: عن القاهرة والإسكندرية في الثلاثينات، ودمشق وبغداد في الأربعينات والخمسينات، أو عن بيروت في عز تألقها في الستينات يوم كانت هذه المدن مصهراً للأفكار والتطلعات الجديدة المحمولة على قوى اجتماعية حقيقية صاعدة تغطي اهتماماتها ساحات واسعة من الاقتصاد والتعليم والثقافة والفن.
كانت المدن نفسها أكثر نظافة وأناقة وتنسيقاً وذوقاً في شكل بنائها وفي تصميم شوارعها، قبل أن يجتاحها النمط القبيح من أشكال العمارة، حيث البنايات متفاوتة الارتفاع والمتنافرة الألوان، والمتراصة من دون فسح للضوء، حتى البيئة في مدننا كانت أكثر عذرية، قبل أن يدهمها هذا التلوث المهول من سحب الغازات وعوادم السيارات والناقلات، وهذا التطور العشوائي في البناء الذي خلق تكدسات بشرية مهولة، تعيش في المدن لكن لا علاقة لها بنبضها الحقيقي.
