// الذهاب إلى الأمم المتحدة في أيلول هو إغلاق مرحلة طويلة من العبث التفاوضي وعودة إلى منطقة أكثر صلابة في التعامل مع الصراع، وهي عملية تجاوز لاتفاق أوسلو وتبعاته ومسالكه ومتاهاته، وهو بحدّ ذاته إنجاز وطني ضروري للمرحلة القادمة
في العام 1974 وقف ياسر عرفات على منبر الأمم المتحدة، بقامته القصيرة ورموزه التي يحبها كثيراً كاملة، وحصلنا على لقطة فريدة للقائد الفلسطيني القادم مباشرة من المعسكر بانتصاراته وهزائمه، ولكن دون شك، بعناده الذي يكمن خلف مرونة ذكية.
هذه السبيكة الغريبة من الصلابة العنيدة في الإستراتيجية والمرونة الشديدة في التكتيك، هي ما ميّز عرفات منذ انتخابات اتحاد الطلبة في القاهرة وحتى حصار "المقاطعة" في رام الله، وهو ما لم يفهمه، أو ما لم يشأ أن يفهمه خصومه ومناوئوه.
الكلمة التي ألقاها عرفات هناك، حيث يلمع الرخام الغامق، ما زالت قادرة على العمل، حيوية وحاسمة، محمية بتلك الإضافة، حسب مطلعين، التي وضعها الشاعر محمود درويش والمتمثلة في جملة ".. فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي"، والتي كرّرها ياسر عرفات بأخطائه اللغوية التي صاحبته حتى لحظاته الأخيرة، حملت في ثناياها: لدي خيارات أخرى.
كانت تلك الجملة الاعتراضية بالمعنى السياسي هي البوّابة الخلفيّة التي تؤدّي إلى سلّم الحريق حيث يستطيع أن يهبط عن الشجرة العالية بسلامة، وهو سلّم حرص عرفات على الاحتفاظ به في كل تحركاته ومواقفه، سلّم خلفي يؤدي إلى الأرض.
العاصفة التي رافقت وصول عرفات إلى تلك اللحظة التي يمكن تذكّرها، أيضاً، حملت الاتهامات المعدّة دائماً ودون تبصّر، كما يحدث الآن، بـ"التفريط" و"الاستسلام" و"بيع القضية" وما إلى ذلك مما يمكن ملاحظته في خطاب "المعارضة" السائد. ولكن ذلك الخطاب سيصبح بمجرد هبوط الرجل عن المنبر، جزءاً من التاريخ الوطني الفلسطيني وستشكل تلك الرحلة إلى نيويورك محطة مهمة في هذا التاريخ الذي يواصل تراكمه.
في أيلول القادم، سيذهب الفلسطينيون إلى الأمم المتحدة، مرة أخرى، ولكن بحمولة مختلفة هذه المرة، وبعد أكثر من عقد ونصف العقد من متاهة المفاوضات والعبث السياسي، وفي سياق تحولات عميقة يقودها "الربيع العربي" وصلت ارتداداتها إلى إسرائيل نفسها، وطبعاً في ظل انقسام فلسطيني أو "مصالحة" هشّة لا تتمتع بثقة الشارع الفلسطيني ولا الحلفاء. ولا يبدو أنها قدمت أكثر من عنوان جديد لحوارات عبثية لا طائل ولا معنى لها.
الذهاب إلى الأمم المتحدة في أيلول هو إغلاق مرحلة طويلة من العبث التفاوضي وعودة إلى منطقة أكثر صلابة في التعامل مع الصراع، وهي عملية تجاوز لاتفاق أوسلو وتبعاته ومسالكه ومتاهاته، وهو بحدّ ذاته إنجاز وطني ضروري للمرحلة القادمة.
وهو، أيضاً، الخيار الذي تركته تلك الجملة في خطاب ياسر عرفات في العام 1974 في الأمم المتحدة، الممر الذي استطاعت تلك العبارة أن تحميه وتؤكد وجوده دائماً.
(شاعر فلسطيني مقيم في رام الله)
