في العام القادم، نحيي الذكرى الـ 90 لتأسيس الشبيبة الشيوعية في البلاد التي تأسست أواخر نيسان من العام 1924، تحت اسم "اتحاد الشبيبة الشيوعية في فلسطين" وكان في عضويتها العشرات من الرفاق في القدس، يافا وحيفا. هذا الأمر يعني أن الشبيبة الشيوعية هي الحركة الشبابية الأعرق قياسا بكل الحركات الشبابية الفاعلة اليوم في إسرائيل. لذا فإن إحياء الذكرى الـ 90 لتأسيس الشبيبة الشيوعية هو حدث هام جدا في حياة الحركة كما أنه ذو أهمية في الأجواء السياسية العامة في البلاد.
اللجنة التأسيسية للشبيبة الشيوعية أعلنت: "هدف الشبيبة الشيوعية هو تجنيد جماهير الشباب، يهودا وعربا، للنضال الثوري للطبقة العاملة ضد النظام الرأسمالي، ضد الإمبريالية وضد الصهيونية، من أجل انتصار الاشتراكية؛ تنشئة الشبيبة على المعارضة لانعدام العدالة الاجتماعية والقمع القومي، بروح القيم الشيوعية والصداقة العربية اليهودية"1
طيلة سنوات نشاطها، عملت الشبيبة الشيوعية على ضوء هذه القيم وناضلت من أجل تحقيقها حتى في أحلك الظروف.
كان هنالك من دفعوا حياتهم ثمنا لعضويتهم في الشبيبة الشيوعية ولنضالهم ضد القمع ومن أجل الاشتراكية: يعيل جرزون، سكرتيرة فرع الشبيبة الشيوعية في تل أبيب، قتلت تحت تعذيب الشرطة البريطانية في العام 1942، بعد اعتقالها عقب تنظيم المظاهرات؛ وعلي عبد الخالق، سافر إلى إسبانيا للمشاركة بالحرب ضد الفاشية (1937-1939) وقتل هناك.
الشبيبة الشيوعية تذكر –وتحث كوادرها على التذكّر- بأن قيام الحركة ليس أمرا مفهوما ضمنيا، وهو نتاج إخلاص وتضحيات الرفيقات والرفاق من الأجيال السابقة الذين ناضلوا عشرات السنوات ضد الإمبريالية، الصهيونية والرجعية العربية.
في فترة الانتداب البريطاني في البلاد، كان الحزب الشيوعي غير قانوني، وعمل سرا. في هذه الشروط، أدى أعضاء الشبيبة الشيوعية دورا هاما في تنظيم المظاهرات، في توزيع الصحف والمنشورات غير القانونية، وبتنظيم الخلايا الشيوعية في أماكن العمل التي عمل فيها بالأساس الشباب.
خلال النكبة كان الشيوعيون الشباب في الصف الأول من المتصدين للتهجير ومن ثم في الصف الأول ضد الحكم العسكري المفروض على الجماهير العربية في البلاد. أعضاء الشبيبة الشيوعية العرب، عانوا من الملاحقات البوليسية، من الاعتقالات والنفي. في الشارع اليهودي أقامت الشبيبة الشيوعية حينها، "لجنة الشبيبة الإسرائيلية لإلغاء الحكم العسكري" والتي نظمت نشاطات عدة.
في تلك السنوات كانت نشرتا الشبيبة الشيوعية –"صوت الشباب" بالعبرية" و"الغد" بالعربية" منصتين هامتين للنشاط الثقافي، فيهما وفي الصحف الحزبية نشأ شعراء وأدباء أصحاب صيت واسع أمثال: محمود درويش، أليكساندر بين، إميل حبيبي وتوفيق زياد.
- تقييم لعملنا بين العرب واليهود
اليوم في الذكرى الـ 90 لتأسيس الشبيبة الشيوعية وإلى جانب الاعتزاز بدورها النضالي نسجل بكل المسؤولية والثقة أننا قادرون على التأثير أكثر وأن نكون أكثر حضورا بقيادة النضالات العادلة لأبناء الشبيبة.
في الشارع اليهودي، نشاطنا غير مرض، وكل المؤشرات تؤكد أننا قادرون على تطوير أدائنا إلا أن الأمر يتطلب منا مراجعة جادة واستخلاصا حقيقيا للعبر في هذا الصدد. بالمقابل، فإن الشبيبة الشيوعية كانت وما زالت الحركة الشبابية الأكبر الفاعلة بين أبناء الشبيبة والشباب العرب، إلا أن ثمة تغييرات شهدها العمل الشبابي في العقدين الأخيرين: في الماضي كانت الصورة واضحة أكثر: الشبيبة الشيوعية إلى جانب عدد متواضع من الحركات الشبابية الوطنية الفلسطينية الصغيرة من جهة واحدة مقابل الحركات الشبابية المرتبطة بالمؤسسة بل وبالأحزاب الصهيونية مباشرة، وأما اليوم فإننا نجد أيضا نشاطا مكثفا للأحزاب العربية والإسلامية التي تعمل - بشكل مباشر أحيانا وبشكل غير مباشر ومن خلال عدد من الجمعيات أحيانا أخرى - هذا إلى جانب ظاهرة ظهور تنظيمات شبابية على المستوى المحلي في عدد كبير من البلدات، هذا كله إلى جانب الأطر الهادفة إلى تجنيد شبابنا لمشروع الخدمة المدنية السلطوي.
هذه العوامل كلها تؤكد أننا لم نعد وحدنا في الساحة وأن علينا أن ندرس إلى العمق كيف نتعامل مع كل نوع من هذه التنظيمات: السلطوية، الحزبية والمحلية.
تقييم عملنا واستخلاص العبر يتطلب جهودا مكثفة وعملا جماعيا على اللجنة المركزية القادمة المبادرة لبذلها وليس المذكور هنا إلا إشارات سريعة لبعض المعطيات الواضحة.
- التحديات عشية الذكرى الـ 90
على شرف العام الـ 90 للشبيبة الشيوعية، يدعو المؤتمر الـ 18 اللجنة المركزية المنتخبة إلى مسؤولية العمل على رفع مكانة هذه الحركة في البلاد وذلك من خلال:
التجدد الفكري والسياسي: إننا ندرك أن الحفاظ على الهوية الفكرية لحركة شبابية شيوعية في عصر الليبرالية الجديدة وطمس الفكر وتهميشه هو مهمة بمنتهى الثورية وغير مفهومة ضمنا- إلا أن التجارب أثبتت وتثبت كل مرة من جديد: ثمة حاجة موضوعية لحركات شبابية تتبنى الفكر الشيوعي لتتمكن من توفير الأجوبة في التحديات المختلفة دون تلكؤ أو تأتأة.
علينا دوما بالتجدد الفكري والسياسي ليس انجرارا خلف الموضة والشائع إنما توفيرا للأجوبة على الأسئلة المستجدة. هذه العملية يجب أن تعتمد على التحليل والتطوير الخلاق لفكرنا الشيوعي، إلى جانب دراسة العبر التاريخية الغنية لحركتنا والاستفادة من تجارب خرّيجي الحركة في الفترات السابقة والتعرف على درب الحركة، وهي درب مميزة في هذه البلاد: حركة يهودية عربية مشتركة في بلاد ينهكها الصراع القومي؛ حركة مناهضة للإمبريالية في بلاد واقعة تحت تأثير الإمبريالية الأجنبية؛ حركة علمانية تقدمية، أمام واقع من الرجعية الاجتماعية؛ حركة اشتراكية ثورية في بلاد رأسمالية.
تعميق ثقافة الكوادر: تثقيف كوادرنا يكون أساسا على القيم الشيوعية وأسس الماركسية اللينينية لتوفير الأدوات التحليلية لهم وإطلاعهم على فصول ناصعة من التضحيات البطولية لإدراك الأثمان الباهظة التي دفعها الشيوعيون للحفاظ على هذه الراية التي يؤتمنون هم اليوم عليها.
يجب حث الرفاق على اعتماد التثقيف الذاتي والعمل على توسيع الآفاق والمدارك إلى جانب قيام الفروع والهيئات المختلفة ببناء البرامج التثقيفية للكوادر إلا ان هذا غير كاف، علينا أن نعمل على بناء كادر من المحاضرين المؤهلين وموجهي المجموعات، وإصدار الكراسات والمواد التثقيفية، التي تضم نصوصا ماركسية إلى جانب اقتراحات لفعاليات ونشاطات عملية.
التثقيف يكون أيضا من خلال إصدار أشرطة مسجلة ومواد مرئية إلى جانب المواد المكتوبة.
تعزيز التنظيم: للتنظيم مكانة ودور خاصان في حركة شبابية ثورية تتبنى الفكر الماركسي اللينيني. تعزيز التنظيم مرتبط بالحصانة الفكرية للكوادر وجاهزيتها على الالتزام والتفاني وبالعمل الجماهيري المتواصل.
بعد فترة طويلة من غياب الأنظمة الداخلية الواضحة للشبيبة الشيوعية، يطرح أمام المؤتمر الـ 19 للحركة دستور يعتمد المركزية الديمقراطية ويحدد أهداف، أسس وقواعد الحياة الداخلية في الحركة، حقوق وواجبات أعضائه وأنظمة عمل هيئاته ومنظماته.
من واجب اللجنة المركزية التواصل مع كافة الهيئات في المناطق والفروع لإعادة هيكلة وبناء الحركة وما يتوافق وهذا الدستور.
المؤتمر يخول اللجنة المركزية المنتخبة للشبيبة الشيوعية دراسة تسجيل الحركة كحركة رسمية في البلاد وذلك شريطة ألا يمس ذلك بالخصوصية الفكرية والتنظيمية للشبيبة.
بناء التحالفات وأطر العمل الجماهيري: الشبيبة الشيوعية، مطالبة دوما ببناء جبهات النضال، التحالفات واختلاق أطر العمل الناجعة توسيعا لتأثيرها وانتصارات للنضالات التي تخوضها.
في السنوات الأخيرة كانت الشبيبة عاملا مركزيا ببناء التحالفات ضد الاحتلال وإحياء للأول من أيار وغيرها من النشاطات إلى جانب دورها المركزي بقيادة التحركات ضد الخدمة المدنية وعضويتها الفعالة في اللجنة المنبثقة عن لجنة المتابعة لهذا الشأن.
الشبيبة الشيوعية مطالبة ببذل كل الجهود من أجل ترسيخ مكانتها وخطابها بين أبناء الشبيبة والشباب من عمال وطلاب ونشطاء سياسيين واجتماعيين.
لتكون هذه الأطر ناجعة وواسعة تضم أكبر عدد ممكن من المركبات المختلفة يجب أن تتسع للتوجهات الفكرية المختلفة على أن تكون مبنية على قاسم مشترك من البرامج السياسية والاجتماعية.
تطوير الأداء الإعلامي: وفق معطيات دائرة الأحصاء المركزية فإن 70% من البيوت في إسرائيل مرتبطة بشبكة الانترنت، كما أن الإعلام بات يحتل مكانة أكبر في السنوات الأخيرة. الإعلام الاكتروني وبضمنه وسائل التواصل الاجتماعي ما عاد مقتصرا على "تلقين" المعلومات إنما يتيح لكل فرد إمكانية النشاط السياسي في العالم الافتراضي: عدد أكبر من أبناء الشبيبة يديرون معظم نقاشاتهم السياسية عبر مواقع الانترنت المختلفة، إلى جانب التوقيع على العرائض الالكترونية وغيرها من وسائل العمل.
الشبيبة الشيوعية يجب أن تحذر من اقتصار نشاطاتها أو نشاط أعضائها في العالم الافتراضي وعليها التأكيد دوما أن العمل الجماهيري هو الأساس، لكنها في المقابل أيضا مطالبة بتطوير أدائها الإعلامي: بإعداد منشورات مطبوعة ودراسة اعادة إصدار "الغد" و"صوت الشبيبة"، إلى جانب اتخاذ كل الخطوات اللازمة لإبراز حضور الشبيبة في وسائل الاعلام والاعلام الإكتروني.
برنامج خاص على شرف الـ 90 عاما: يدعو المؤتمر، اللجنة المركزية الجديدة إلى البدء فورا بالتحضيرات لإحياء الذكرى الـ 90، وتنظيم النشاطات الجماهيرية، الفكرية والسياسية بهذه المناسبة إلى جانب كتابة ونشر فصول من تاريخ الشبيبة الشيوعية؛ توثيق مذكرات الرفاق القدامى، خريجي الحركة في فترات مختلفة.
(يتبع)
*فصول من مواد مؤتمر الـ 19 لاتحاد الشبيبة الشيوعية، الذي يُعقد نهاية الاسبوع الجاري، وننوّه الى أن المادة المنشورة هنا جزئية، أما نص المواد الكامل فمنشور في موقع الجبهة الإلكتروني: http://aljabha.org/index.asp?i=75552
1 من مذكرات حايم دافيدوفيتش، السكرتير العام الأول للشبيبة الشيوعية في فلسطين.
