لدى قراءتي عن عودة الاتحاد إلى مقرها التاريخي تبادر إلى ذهني ذلك المشهد المؤثر الذي اعتدته في طفولتي في ساعات بعد الظهر من يومي الثلاثاء والجمعة، حين كان رفاق الحزب يطوفون البلدة وبجعبتهم أعداد "الاتحاد". كانوا يطرقون أبواب البيوت ليتحول توزيع الاتحاد، أحيانًا، لحلقات بيتية تناقش المواضيع السياسية او الثقافية او الادبية التي وردت في ذلك العدد.
كانت الاتحاد مدرسة سياسية وأدبية وثقافية لأبناء شعبنا الباقين في وطنهم، تفيض بالمقالات والكتابات والتحليلات بأعلى المستويات من قبل قياديي شعبنا وأدبائه وكتابه وشعرائه ومثقفيه وفنانيه. في ذاك الوقت كنت في صفوف منظمة "أبناء الكادحين" ابنًا لجيل كسب جزءًا كبيرًا من وعيه وثقافته عبر جريدة الاتحاد، واذكر أيضًا ردود الفعل القاسية الممزوجة بالغضب واللوم وخيبة الأمل من قبل أبناء جيل والدي في كل مرة تعذر فيها وصول الاتحاد كما، لو أنه تم قطع الماء، أو الكهرباء، عن البيت في ذلك اليوم .
التاريخ لم يتوقف في تلك الفترة من الزمن. لقد مر الكثير على شعبنا وعصفت بمجتمعنا تغيرات عاصفة، بحياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لقد ودعنا جيلاً من القيادات والكتاب والشعراء والمثقفين المميزين واستقبلنا جيلاً آخر، فلكل فترة شخصياتها؛ قيادييها ومبدعيها .
ولكن تبقى تلك الأيام عزيزة علينا،, ويشتد حنيننا إليها، أكثر وأكثر ومن يوم ليوم ونحن نشاهد، عدم قدرة الاتحاد ان تحافظ كما يجب على الموقع الذي وصلت اليه في تلك الفترة، ولا بد هنا من القول، ما علمتنا إياه الحياة، أن الحفاظ على القمة أهم وأصعب من الوصول اليها .
لست بصدد البكاء على الأطلال والعودة الى الوراء، فأنا معني، بالأساس، بالحاضر وأتوق لمستقبل أفضل للاتحاد ولشعبنا ولحزبنا ولجبهتنا. وفي الوقت نفسه لست من ذوي الاختصاص في الصحافة، وليس بحوزتي برنامج وخطة إشفاء للاتحاد، لكي تعود للقمة. ببساطة، أنا أحد قراء الاتحاد، منذ نعومة أظفاري، رضعت من الاتحاد حليب السياسة والوعي والتحليل والثقافة والأدب، وأكتب هذه الكلمات لأنني منحاز جدًا للاتحاد ومن عشاقها الغيورين، وأنا على قناعة، بأن حزبنا وجبهتنا يفيضان بالقياديين والكتاب والمحللين والأدباء والفنانين والمبدعين، ممن يستطيعون أن يحلقوا سويًة مع الاتحاد في الطريق للقمة.
تتملكني القناعة بأنه مهما تعددت الأسباب ومهما قست الظروف، فعلينا جميعًا تقع مسؤولية الحفاظ على الاتحاد وموقعها التاريخي في قمة القمم. هذه مسؤوليتنا وواجبنا تجاه شعبنا وحزبنا وجبهتنا .
في عيد ميلاد الاتحاد، السنة القادمة، لنحتفل بعودة الاتحاد الى الجذور، إلى الصدارة، إلى موقعها وموقعنا الطبيعي والمشرف– مدرسة في السياسة والوعي والتحليل المسؤول في الأدب والثقافة والفن الملتزم.
في عيد ميلاد الاتحاد القادم لن نعود مرة اخرى كما في السنوات الأخيرة إلى قاعة الأفراح، لا عشاء فاخر، لا سحبات يانصيب- لقد دنقنا من حفلات الأعراس وخاصة أن الموسم على الأبواب.
في عيد ميلاد الاتحاد القادم لنتوجه إلى احد قصور الثقافة والأدب لحضور كونسيرت الاتحاد؛ كونسيرت سياسي وفكري؛ كونسيرت الثقافة والشعر والادب؛ كونسيرت الفن والموسيقى والغناء الملتزم.
ولدينا الكثير الكثير من الطاقات في كل المجالات التي بوسعها ان تحيي أرقى وأجمل كونسيرت.
في عيد ميلاد الاتحاد نحن مدينون لها بحفل مميز ومتميز يليق بها، بمكانتها، بموقعها، بقرائها وأصدقائها.
نحن متعطشون لكونسيرت الاتحاد الحقيقي المميز والمتميز ونحن على موعد وإياه في عيد ميلاد الاتحاد القادم.
