إستراتيجية إسرائيل أمام تركيا

single

 لربما أن الحملة الشعبية المتصاعدة في إسرائيل ساهمت في تخفيف مستوى الانشغال الإعلامي والسياسي الإسرائيلي في قرارات الحكومة التركية، لمعاقبة إسرائيل لعدم اعتذارها على مجزرة أسطول الحرية، وكما يبدو، فإن هذا أيضا ساهم في تشجيع بنيامين نتنياهو على إظهار تصلب أكثر في الموقف، والاستمرار في نهج العربدة الدبلوماسية التي فرضها وزير خارجيته أفيغدور ليبرمان منذ عامين وأكثر، ولكن هذا لن ينجح كثيرا، حينما يرى الإسرائيليون مدى انحسار مجال الحراك الإسرائيلي على الساحة الدولية بفعل هذا النهج.
قبل أيام، ظهر تقرير في إسرائيل يقول إن نتنياهو وليبرمان يعتقدان أن التعامل الاستعلائي والهجومي مع التقارير والقرارات الدولية سيُخرج إسرائيل من أي زاوية محاصرة، مستندين إلى تجربتهما في التعامل مع تقرير غولدستون: "من يذكر اليوم تقرير غولدستون؟"، يسألون اليوم في سدة الحكم.
يراهن نتنياهو وقادة حكومته على أمرين في التعامل مع الأزمة المتصاعدة مع تركيا، الأول: هو اعتقادهم بأن مساعي تركيا لكسب مكانة إقليمية بالتنسيق مع الولايات المتحدة، لن يسمح لتركيا التصعيد أكثر في العلاقات مع إسرائيل، وأنه بعد فترة سيبدأ البحث عن قنوات لإصلاح العلاقات بين الجانبين، ولكن حتى الآن، فإن هذه الفرضية الإسرائيلية لا تبدو "ناجحة"، لأن تركيا تصعد باستمرار في عقوباتها لإسرائيل على ضوء تعنت الأخيرة.
أما الأمر الثاني الذي تراهن عليه إسرائيل الرسمية، فهو ما ذكر سابقا هنا، وهو تصعيد نهج الاستهتار الإسرائيلي بالتقارير والقرارات الدولية التي لا تروق لها وتعترض على سياستها، وهذه استراتيجية وضعها ليبرمان في اليوم الأول لتوليه منصبه قبل عامين ونصف العام، وبالإمكان إجراء مراجعة لتصريحات ليبرمان، مثلا، اتجاه دول في شمال أوروبا، ثم تركيا ومحاولة إهانة سفيرها في تل أبيب قبل عامين، واستمرارا مع دول أخرى.
وكما يبدو فإن نتنياهو الذي تحفظ بداية من أسلوب ليبرمان بات على قناعة به، بعد تجربة  التعامل مع تقرير غولدستون، ولكن بعد عامين ونصف العام على بدء حكومة نتنياهو نرى أن الحراك الإسرائيلي على الساحة الدولية يشهد انحسارا ملحوظا، فإسرائيل اليوم لا تتحرك في الدول العربية كما كان في السابق، وحتى قبل الثورات، فقد كنا نشهد زيارات أو لقاءات مع جهات عربية حتى مع تلك التي لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، أو أنها جمدت وقطعت علاقات كهذه.
كذلك فإن اللقاءات الإسرائيلية مع شمال أوروبا، وخاصة الدول الاسكندنافية، شبه غائبة، وقد سلّمت إسرائيل بحقيقة ان هذه الدول مساندة للقضية الفلسطينية، وكذا الأمر بالنسبة لأفريقيا، بعد أن حاول ليبرمان فتح قنوات لتوسع العلاقات في تلك القارة، ولا نسمع الكثير عن تطور العلاقات مع دول شرق آسيا، وأميركا اللاتينية.
والحراك الإسرائيلي بالأساس، نجده أمام الولايات المتحدة بينما الحراك في الحلبة الأوروبية المركزية ليس انسيابيا كما كان حتى ماض قريب.
وفي حال أبقت منظمة التحرير الفلسطينية على قرارها وعرضت مشروع القرار على الأمم المتحدة، فهناك وفي أعقاب التصويت، ستتحدد خارطة الدبلوماسية الإسرائيلية، وفي حال ثبتت التوقعات بفوز مشروع القرار الفلسطيني بأغلبية ساحقة تتعدى نسبة 70% من الدول،  فإن هذا سيخلق مساءلة داخلية في الشارع الإسرائيلي لحكومة نتنياهو، وقد يُصعّد الأزمة السياسية الداخلية، على الرغم من ثبات حكومة نتنياهو برلمانيا، ما يؤهلها للبقاء عامين أخريين من الآن، في سدة الحكم. 
المحطة الأهم التي علينا ترقبها في تدهور العلاقات التركية الإسرائيلية، هي العلاقات الاقتصادية، فتركيا تحتل المرتبة السادسة إسرائيليا من حيث حجم التبادل التجاري، وعلى الرغم من الأزمة السياسية التي بدأت في مطلع العام 2009، فإن العلاقات الاقتصادية واصلت تطورها، إذ بلغ حجم التبادل التجاري في 2009 حوالي 2,5 بليون دولار، وفي العام التالي 3,1 بليون دولار، وحتى النصف الأول من هذا العام بليوني دولار، مع مؤشرات لاجتيازه هذا العام 4 بلايين دولار.
وإعلان رئيس الحكومة التركية أردوغان هذا الأسبوع، عن قطع العلاقات الاقتصادية والعسكرية مع إسرائيل، تبين أنه لا يشمل القطاع الخاص، وعليه فإن "الضرر" من وجهة نظر إسرائيل يتركز ببضع عشرات ملايين الدولارات من الصادرات الإسرائيلية إلى تركيا، وفي حال استمرت العلاقات الاقتصادية على حالها، فإن هذا سيقلل من حجم تأثير الإجراءات التركية على الشارع الإسرائيلي.
أما من حيث ملف التعاون الأمني، فإن العلاقات تراجعت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ولكن من ناحية إسرائيل، فطالما أن الولايات المتحدة لها حضور في المشهد التركي، فإن هذا يقلل من قلقها في هذا المجال.  

 


Barhoum.jaraisi@alghad.jo
عن "الغد" الأردنية

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا عدالة اجتماعية دون السلام العادل

featured

صمودًا يا شعب الجبارين

featured

لا للجريمة القادمة

featured

الأسير.. المنتصر في نهاية الصراع

featured

سوريا... بلاد الشام الفواحة بالعطر

featured

لا تلوموا الضحية!

featured

دور الشباب في المعركة الانتخابية وما بعدها

featured

العدوان يغتال هدنة رمضان!