ليس بالشعار وحده، أو أقل..!

single

العالم، من حولنا، يتغيّر. كل شيء فيه يتغيّر. لا القديم هو القديم. ولا الجديد هو الواضح. الواقع الراهن أكثر ميلاً الى الغَباش: انعدام الرؤية وغياب حرفة المراجعة النقدية وتقويض صنعة العقل بوصفه شرطًا من شروط تحديد الرؤية وتوضيحها إذا ما تم تشغيله، في المكان والزمان المناسبين.
المكان: فلسطين. الزمان: آب (2010). إثنان وستون عامًا على قرار التقسيم. لا بأس. فما زلنا نحمل شعار "دولتان لشعبين"، دون أن ننتبه الى الأعوام الستين التي مرت، دون أن ننتبه الى أن اسرائيل الرسمية لم تُبق للفلسطيني أرضًا للدولة الثانية التي ننادي بها.
لا أتورط، هنا، بمحاولة الإجابة على السؤال: حل "الدولتان" أم "الدولة الواحدة"، بقدر ما أزجّ نفسي في حيرة: لا أحد يفهم كيف يمكن تطبيق حل الدولتين على الأرض، لا أصحابه المجازيون، ولا رافعو الشعار. هل لأن الواقع المعقد لا يدرك كيف، أم لأن الوعي المفكك لا يدرك كيف؟ 
الواقع معقد. والوعي مفكّك. نحاول، أحيانًا، اللجوء الى نظام الأبرتهايد في جنوب أفريقيا تشبيهًا وسندًا. لكن الفارق كبير. أولاً: السود في جنوب أفريقيا هم جزء من الأمة الأفريقية المتخيلة. لا صراع قومي هناك. الصراع كان على لون البشرة "يا ابيض يا اسود". الفلسطينيون هنا هم ليسوا جزءًا من الأمة الاسرائيلية المتخيلة، وبالتالي هم ليسوا تحت احتلال من الوارد، لدى الاسرائيلي الصهيوني، ان ينتهي. ثانيًا: ليس من الوارد عند الاسرائيلي الصهيوني، حاليًا، أن ينسحب من "يهودية الدولة"، بما تحمله من صهينة الأرض والتاريخ والجغرافيا، وبالتالي لا يسمح لنفسه بأن يعطي الفلسطيني في الضفة مثلاً حق التصويت. أصلاً كل موضوع السود في جنوب أفريقيا كان  على أساس One person one vote وبالتالي فإن التشبيه غير وارد هنا. 
الصراع مفتوح الآن بفعل اسرائيلي صهيوني تحديدًا. فالأخير يحاول أن يقفز. يقفز في الهواء. هو في عجلة من أمره. يريد ان يحسم المسألة من اليوم. يرى أن الستين عامًا الأولى لم تكفه لتنفيذ مخططه. لم ينجح في التخلّص من العربي خلالها. الـ 120 ألفًا عام (1948) أصبحوا مليون ومئتي ألف "قاعدين قايمين، شَغلِة عَمْلِة نايمين" في وطنهم. وهو، الإسرائيلي العبري، في حالة ذعر. العربي "كثير الخِلـْفِة"، رغم وجود تلفزيونيات في كل البيوت العربية (!). السبب ليس عدم الهائه بالتلفاز. هو هكذا، بطبيعته، منشغلاً في التعاطي مع "النوم"، صبحًا مساءً.
الموضوع يتجاوز التسلية. نعرف ذلك. فما نتعرض له، اسرائيليًا، بمثابة عملية تطهير عرقي، ولكن ببطء. الاحتلال الصهيوني أصاب الجغرافيا \ المكان، التاريخ \ الزمان، العقل \ الإنسان. العقل الفلسطيني هو الأكثر استيعابًا للمأساة لأنها، ببساطة، تحيا فيه. الخطورة أن البعض قد استعاد وهم انور السادات بأن 99% من اوراق "اللعبة السياسية" بأيدي الولايات المتحدة الأمريكية. فجلس، اختياريًا هذه المرة، في حضن أمريكا. لم يطله سوى الخازوق. وامريكا اليوم تتحدث عن "حل الدولتين". وأوروبا تتحدث عن "حل الدولتين". واسرائيل نتنياهو وبراك وليفني وحتى أفيغدور ليبرمان تتحدث عن "حل الدولتين". دولة اسرائيل ودولة "كانتونات" مقسمة مجزأة تتمتع بحكم محلي هو أشبه بسلطة محلية وتُسيِّر شؤون البلد، أو أقل.
الحالة تعبانة يابا. حل الدولتين صدر من هنا، تحديدًا تبنته في حينه "عصبة التحرر". برأيي هناك أهمية بمكان، الآن الآن وليس غدًا، أن يجلس أصحاب هذا الحل وأن تتم عملية المراجعة للتفتيش عن جواب حول السؤال الآتي: هل الحجر، الذي رفضه البناؤون قبل أكثر من ستين عامًا، هو الحجر ذاته، بعد الستين، حتى يمكن لنا القول، بعد ذلك، أنه هو هو "رأس الزاوية"، أم ان "الزاوية" لم تعد قائمة، على الأرض، وبالتالي بَطُل الأساس.
كثيرة هي الأسئلة. وقليلة قليلة هي الأجوبة. يبدو أننا نغيب في المعنى المجازي، فنتمسك بالشعار، كشعار، دون أن نحاول الخوض في المعنى، مع العلم أنه ليس بالشعار وحده يحيا الإنسان.
سلامٌ على مَن اتَّبع الهُدَى. سلام..!

قد يهمّكم أيضا..
featured

الموت وقبعات السحرة

featured

الإيشارب الإرهابي

featured

نتنياهو وأردوغان، حملتان مكارثيتان

featured

الجرح ينتصر على السكين

featured

كلمة العائلة في آخر يوم من أيام العزاء لرحيل ابننا الغالي سامر داهود عواد

featured

متأسف يا عربوش !

featured

عندما يتوحّد الانسان مع الخير والحرية

featured

ليس هذا ما يستحقه المصريون!