حدّثني صديقي وقال انه وفي عصيرة أحد أيام الجمعة من شهر نيسان من العام الماضي جلس على مقعدٍ في حديقة البيت، منتشيا بروائح أزهار اللوز، والليمون والبرتقال، والورود العديدة المختلفة الألوان والروائح، تعبق بأريجها، وشذاها الأخّاذ، وكان السهل الفسيح الذي يمتد حتى شاطئ البحر أمام ناظريه، قد ارتدى حلّته الخضراء الجميلة، وكانت السماء زرقاء صافية، والشمس أخذت تميل نحو الغروب، ترسل أشعتها الذهبية الصفراء نحو البحر، تبعث بحرارتها المعتدلة إلى الأرض، تستحث الإنسان على الجلوس بين أحضان الطبيعة، بين الكلأ أو في الفلاة، ونسمات عليلة صافية، رطبة ومنعشة تهب بين الفينة والأخرى قادمة من البحر.
جلس ومن حوله تناثرت على المقعد اعداد من الصحف العبرية والعربية، الزاخرة بالأخبار المثيرة، المقالات، والتعليقات الزّخمة الدسمة منها، والهزيلة السخيفة، والجافة التي تصدر في آخر الأسبوع. وفي غمرة انغماسه وانشغاله بقراءة الصحف، ونشوته بالروائح الزكية، رنّ الهاتف القريب من مكان تواجده فلم يكترث له وأحجم عن الرد، فقد مضّه ما حدث قبل قليل. عندما نهض مسرعا ليستقبل المكالمة، كانت المفاجأة بالمتكلمة، وكما صرّحت وباللغة العربية النقيّة الصافية بلا لكنة أو لهجة أخرى، وبصريح العبارة بلا خجل أو وجل انها "زانية" تدعوه لزيارتها في بيت الدعارة في كرمئيل وفيه الكثيرات من الحسناوات والغانيات، لم يصدّق أذنيه بما سمع، فأعاد السؤال ثانية فسمع نفس الجواب، فأصابته صدمه من هول ما سمع، فقال قبحا لك، أخطأت في العنوان، خيطي بغير هذه المسلّة.
ولمّا لم يعد بعد إلى مكانه رنّ الهاتف مرّة أخرى فرفع السماعة وهو في حالة هياج وغضب، مما سمع في الدقائق الماضية، وظنّ "وان بعض الظن أثم" ان تلك العاهرة عادت تحاول غوايته ثانية، فتهادى لسمعه صوت رقيق ناعم فيه نغمة وغنجه تختلف عن سابقتها، تسائله إذا كانت تتحدث مع عبد الخالق؟ فردّ بالإيجاب فهدأت أعصابه؟ واستقرت حالته، فاستبقته بالأسئلة التي أمطرته بها وقبل ان تفصح عن هويتها، رمته بسؤال إذا كان يذكر تلك المعلمة التي دسّ في جزدانها جريدة "الاتحاد"، ونصحها بقراءتها دون زميلاتها حتى لا ينكشف أمرها ويعرضها لخطر الفصل التعسفي، فَغَرَ فاهُ، وحملق بعينيه من هول المفاجأة، فتلعثم وعجز عن الرد، فساورها شك ان مرض النسيان قد المّ به. فعادت لتوقظ ذاكرته من سباتها، ولتزيل غشاوة النسيان عن ذهنه فساءلته ثانية إذا كان لا يزال يذكر عندما انتهز فرصة غياب المدير المتواطئ وتسلل إلى غرفة الصف واستحلف معلمة بأن تصوّت لقائمة المعلميين الديمقراطيين، التي كان المدير مناهضا لها ومعارضا. فكان ذلك سببا لنقلها من المدرسة، فتثعلب وتظاهر بالنسيان وراح يبرّر بأن غياب أربعين سنة كفيلة ان تنسيه أيام الشباب بما فيها من شبق، ولهو، وعبث، وخفّة وحيوية. انطلقت هي بالحديث تمازجت فيه اللوعة باللهفة، والشوق بالحزن والأسى وقد طال حديثها وكان لها القسط الأكبر في المحادثة، ثم ثرثرت كثيرا عن حياتها وأبنائها وحفدتها وزوجها ونعيمها ولم تترك له مجالا للحديث وأجملت حديثها وأنهته بإبداء الحسرة من تآكل العمر وانقضائه سريعا ومروره كلمح البصر ونوّهت انها في الثلاثين من حزيران تطفئ الشمعة الستين من عمرها. فتطفّل مازحا وساءلها إذا كانت لا زالت تحتفظ بجمالها الساحر وبهائها الأخّاذ وأنوثتها الفياضة الزاهية. فسمعها تضحك ضحكة عريضة وقوية: "لا زالت كما عهدتك" فقاطعها وقال: "فقد خاب ظنّك قد أكون لا زلت مزوحا، فطوارق الدهر، ونائبات الزمان نالت مني كثيرا وأصابت شكلي وهدّت جسدي، فقد سقط شعر رأسي، وبات أملس اجلح، والتجاعيد احتلّت وجهي كأنها أخاديد وتساقطت أسناني، واُفرِغَ فمي وأضحى صحراء قاحلة الا من نابين أصفرين، بقيا ليشهدا على شيخوختي. ناء الدهر عليّ فتقوّس ظهري واحدبّ، وبتُّ ككاهن متصوّف خضع لأمر العزوبية وعشت حياة خاوية ذابلة، كانت هي في الطرف الآخر تصيخ السمع بأناةٍ ورويّة. كفّ عن الكلام وجاء صوتها يغشاه إيقاعات من الحزن خافتا ينضح بالأسى ونشيج بكاء صامت، فقالت قاتل الله الزمان فالدهر غدّار والزمن قتّال، وداعا والى اللقاء.
عاد إلى مجلسه في حديقته يفرّج عن نفسه يشتم رائحة الورود الشذية متمددا على المقعد وقد عدل عن القراءة، وشبك يديه وركن رأسه إليهما، وكانت كل كلمة من كلماتها، شظية فتحت في داخله جرحا جديدا، وسرح في بحر خياله، شقّ عبابه إلى ماضٍ تجاوز عشرات السنين، أعاده إلى أيام شبابه ولهوه وريعانه فقال في نفسه: "ليت الشباب يعود يوما"، فتدفقت ذكرياته وارتسمت صورتها في ذهنه وشاهدها بجمالها الساحر، منتصبة القامة ممشوقة القد حاسرة الرأس والساقين، أنيقة بلباسها وهندامها وتسريحة شعرها الأسود الفاحم الهفهاف ناعما تداعبه النسمات، ينسدل إلى الخلف يغطّي منكبيها وعينيها السوداوين الواسعتين محاصرتين بين جفونها بأهداب طويلة وعلى صدرها نهدان بارزان كبرتقالتين تهتزان كلما مالت وتحركت. فرك جبينه وعاد إلى رشده وصوابه وخرج من بحر أحلامه ومن ذلك الماضي السعيد،وعاد إلى الصحف يقلّبها ويطالعها لكن ذهنه ظل شاردا.
مالت الشمس نحو الغروب وشعر بقشعريرة باردة غمرت جسده وهو يجهل مصدرها، غادر المكان ودخل غرفته واستلقى على سريره.
اندفع ولم يتوانَ في الثلاثين من حزيران حيث وجد نفسه في المدينة يقف أمام بيتها وهو يقرع الباب يحمل في طيّاته الكثير من الأحاسيس المتناقضة الجذلى منها والتوجّس والخشية، شرِع الباب على مصراعيه وكانت تقف امرأة فشاهدت رجلا يغطي رأسه شعر كثيف خطه الشيب، منتصب القامة، قوي البنية، فسرعان ما تراجعت، وكانت المفاجأة عنده عندما شاهدها ترتدي جلبابا اسود غطّى رأسها خمار ابيض لفّها حتى الوجه، أدهشه المنظر وأذهله فجاء الرجل ورحب به وادخله البيت وجلسا في صالة الضيافة الأنيقة الفاخرة. عرّف نفسه وراح الرجل المضيف يكرر كلمات الترحيب والتأهيل ثم تجاذبا أطراف الحديث وراحا يتحدثان في أمور مهمة عن الكوارث السياسية والاقتصادية، عن الهجمات العنصرية والفاشية وعن قضايا اجتماعية أخرى عن العنف بين الشباب والعنف ضد المرأة على شرف العائلة وحملة السلاح وإطلاق الرصاص الحي والفراقيع في الهزيع الأخير من الليل فكان حديثا شيّقا خلق جوّا من الانس والالفة، والمضيف يجهل غرض الرجل، دخلت المعلمة المطبخ وأخذت تُعِدّ بعض أطباق الضيافة والقهوة كما يمليه الواجب وقد خيّم عليها الذهول والدهشة، فعادت إلى الماضي ووجدت في ملامح الرجل ما يشبه ملامح عبد الخالق الشاب الذي عرفته، أربكها إذ قال لها انه اجلح الرأس متقوّس الظهر، فقالت في نفسها الدنيا مليئة بالعجائب والغرائب كم تتشابه صور الناس في هذا العالم ومع هذا فقد كان يتفاعل في داخلها إحساس غريب، ومن حيث لا تدري خرجت عن المألوف، وخرقت العادة، فدفعت الباب ودخلت تحمل أطباق الضيافة بنفسها، وأخذت تروح ذهابا وإيابا ولم تُجدِ نظرات الزوج اللائمة التي كان يرميها بها وكانت كلما دخلت تمعن النظر بالضيف، عادت الأحاسيس واشتعلت بداخلها، دخلت وهي تحمل القهوة وجلست مع الرجلين على غير عادة أو ناموس ارتجفت يداها وهي تسكب القهوة، وارتجفت جفونها، وقطعت الشك باليقين ان الرجل هو عبد الخالق، احتسوا القهوة، واعتكف الضيف الصمت وكانت المرأة ترميه بنظراتها الثاقبة التي تحمل في بريقها تلهفا.
مد يده إلى جعبته وتناول منها شيئا، وقال: "اقبلوا مني هذه الهدية المتواضعة بمناسبة عيد ميلاد المعلمة هيلانا الستين، التي ربطتني بها علاقة صداقة نقية خالصة، وبعد ما ينيف عن أربعين عاما من الغياب ها نحن قد التقينا. فهَبَّت واقفة متحدية كل الحواجز، وصرخت متسائلة "أنت عبد الخالق؟" وقالت: " يا للمفاجأة السعيدة، ان ظني لم يخنّي، فصافحته بحرارة وتلهّف وقالت تعاتبه، لماذا كذبت عليّ فتأسّيت وأحزنتني" فقال " يقولون الكذب ملح الرجال".
(عرابة)
