لروح يوليو وشُحنتها

single

الزعيم الخالد جمال عبد الناصر. معيار محاكمة النظم يختلف كثيرًا عن معيار محاكمة الثورات

 

إذا صح بأن الثورات لا تستمر ستين عامًا، فإنها أيضًا لا تنتهي بغروب رموزها ومن قاموا بها، فالثورة الفرنسية مر عليها أكثر من قرنين، لكن لها ظلالاً وأصداء في الدستور والوجدان والذاكرة، ولأن المناسبة هي يوليو،1952 فإن ما يقال الآن عنها يراوح بين التبسيط والغلوّ كي لا نقول بين التّهوين والتهويل، فثمة من يتنكرون لكل منجزاتها رغم أن ما حققوه من مستوى علمي وتعبيري كان بفضلها.
إن الثورات ليست مجرات أو كواكب تنقرض بمرور الزمن لكن نورها يستمر في السفر إلى هذه الأرض، إنها هزات زلزالية لها ترددات لا تهدأ، لكنها تتحول إلى شحنة أو روح لا يمكن رصدهما بالعين المجردة أو حتى بالإحصاءات الصمّاء.
جيل يوليو مصريًا وعربيًا لم يغب تمامًا وثمة شهود أحياء منهم من تجاوز الثمانين ولكي توضع ثورة كهذه كان لها امتدادات عربية وآسيوية وإفريقية في الميزان يجب علينا أن نحذر من أمرين، أولهما منطق تصفية الحسابات بثأرية تحول العام إلى شخصي وتحذف منه البعد الوطني والاجتماعي، وثانيهما عدم الاستسلام لجاذبية النوستالجيا، بحيث نبقى ماكثين عند ذلك النشيد الأخضر رغم أنه آسر ويوقظ فينا مشاعر تعيننا على مقاومة الإحباط الذي لا تكف مصادر ومرجعيات إقليمية ودولية على بثه عبر مختلف الوسائل والأساليب.
وما يجب عدم إغفاله هو التعامل مع الفترات التاريخية وفق سياقاتها الزمنية، بحيث لا تكون المقارنات ظالمة لأنها لا تأخذ في الاعتبار متغيرات العالم. لقد اندلعت ثورة يوليو في وقت كان العالم فيه يتأرجح بين قُطبين، وكانت نبرة الاستقلال وما سمي تصفية الاستعمار في ذروتها بعد أعوام قليلة من الحرب العالمية الثانية، والمسألة ليست في رصد ما هو إيجابي أو سلبي، أو في تقديم قوائم بالأخطاء وأخرى بالصواب، لأن الأمر نسبي وقراءات التاريخ لا تخضع لأبجدية واحدة أو حاسوب شامل، فمن تضرروا من يوليو لعنوها سرًا ومنهم من هتف لها وصفق علنًا، كي ينجو بمصالحه أو يحقق أهدافًا خاصة، لكن ستين عامًا هو زمن كافٍ لغربلة ظواهر عديدة، وإن كانت بعض منجزات يوليو ماثلة الآن في الأرض والمعمل والجامعة، لقد كان لها ككل الثورات حروبها وبالتالي حلفاؤها وخصومها في الداخل والخارج، وبقدر ما انتصرت كما حدث في العدوان الثلاثي عام 1956، بقدر ما تعرضت لنكسات أجهضت أحلامًا وأشواقًا قومية، وهنا ينبغي التذكير بأن مفهوم الانتصار بالنسبة للثورات الوليدة هو مجرد استمرارها، ولأن كل ثورة لابد أن تتحول إلى دولة، وبالتالي إلى نظام سياسي له دستوره وأقانيمه الكلاسيكية، فإن يوليو لم تستغرق سوى بضعة أعوام كي تتحول إلى نظام ومعيار محاكمة النظم يختلف كثيرًا عن معيار محاكمة الثورات لأن الصلصال الساخن يبرد ويصبح بالإمكان غرز الأصابع فيه، وما كان للتو مغطى أو محتجبًا وراء الحماس الشعبي يبدأ بالظهور على السّطح، فالناس لا يعيشون بالأناشيد وحدها، وسيصبح المشهد كوميديًا إذا صدقنا أغنية عاطفية عربية تقول ما معناه: لا أريد أن آكل أو أشرب بل أكتفي بالنظر إلى عيني من أحب.
واجهت يوليو مصاعب جمة وأحاطت بها عدة كمائن ونهضت من عدة كبوات، لكن ما طرأ من انقلابات كونية على معادلة القوة والخلل الذي انتهى إلى ما يسمى أحادية القطب، وما استجد من ثقافات تبشر بالعولمة ومحو الحدود، والواقعية، جعل صوت الثورات وحركات التحرر في العالم كله يخفت ولو إلى حين، وما أعقب ثورة مايو العالمية عام 1968 من هدوء ملغوم، زج العالم كله في شجون جديدة. يوليو باقية كشحنة وروح ولم يغرب كل شهودها بعد.

 

* شاعر وناقد أردني ("الدستور")

قد يهمّكم أيضا..
featured

قليل من المعرفة وقليل من المنطق لمعرفة الحقيقة

featured

ماذا خلّف بوش من خراب؟

featured

أي رسالة تحمل يا جورج ميتشل؟!

featured

سنة جديدة ونضال مستمر

featured

الدوخة dizziness الدوار vertigo (2- 2)

featured

الجبهة هي العنوان الصادق الصدوق لجماهيرنا العربية

featured

التحذير من انهيار السلطة