فليعلنوا عن دولة

single

يمكن أن نفهم محمود عباس حين ترد فكرة إعلان عن دولة فلسطينية في الـ 2011، فعباس لا يزال يشعر كمن يقف على رأس منظمة وملزم بالمبادئ الأساس التي وجهت خطى ياسر عرفات، وهو لا يريد أن يسجَّل كمن تنازل الفلسطينيون في عهده.
أمام ناظريه يرى النجاح الهائل الذي حققه الفلسطينيون في فترة ولايته، التغيير في موقف الولايات المتحدة، طرح القدس في رأس جدول الأعمال الدولي، انتقاد إسرائيل بسبب الأضرار التي ألحقها بنيامين نتيناهو، هجوم نيكولا ساركوزي عليه، ويقدر بأن الزمن يعمل في صالحه، على الأقل طالما كان باراك اوباما هو الرئيس في واشنطن. السباق الذي يديره مع نتنياهو ليست بالتالي على الحدود الدولة الفلسطينية، بل على مسألة من سيعتبر الرافض، ومن سيعتبر أفضل في نظر الولايات المتحدة وأوروبا والرأي العام العالمي. يخيَّل أنه أسير للفهم القائل إن إسرائيل في نهاية المطاف، عندما يشاء الله، ستتفكك. وهو نفسه يعرف أنه لن يخرج من هذا أي حل.
إذا بدأت المحادثات مع الفلسطينيين هذا الأسبوع بالفعل، سنرى مرة أخرى كيف يحاول الطرفان إرضاء القاضي بدلاً من إجراء مفاوضات جوهرية. يقول عباس في هذه الأثناء كل الأمور السليمة كي ينتصر في هذا السباق. فهو يبدي مرونة، يلمح باستعداد لتنازلات في مسألة اللاجئين وتبادل الأراضي. هو "الرجل الطيب" في القصة. ولكنه زعيم بلا دولة.
يقدر سلام فياض بالمقابل، وبحق، أن إعلانًا عن دولة فلسطينية سيكون مفيدًا لتحقيق الحل. وهو يريد منذ الآن أن يحقق الذخائر التي أنجزتها السلطة الفلسطينية في الرأي العام العالمي، والانتقال من مكانة منظمة أو "سلطة" إلى مكانة دولة. هذا نهج عقلاني، سيحرِّر الفلسطينيين من المسألة التي حامت فوق كل مفاوضات دارت حتى الآن: كيف يمكن تحويل شعار "دولتين للشعبين" إلى واقع.
ستكون مكانة هذه الدولة شبيهة بمكانة دول أخرى تخضع في هذه اللحظة للاحتلال، كالعراق وأفغانستان. دولة تحتفظ بكل علامات السيادة، تجري انتخابات، تعقد اتفاقات مع دول أخرى، تحظى باعتراف دولي حتى لو رفضت إسرائيل الاعتراف بها، سيعيَّن فيها سفراء وممثليات تجارية، يمكنها أن توقع على اتفاق للتجارة الحرة وان تطالب ببحث في مجلس الأمن على ترسيم حدودها. دولة فلسطينية يمكنها أن تنقل المفاوضات المضنية من القدس ومن رام الله إلى نيويورك وواشنطن.
حقل الألغام الذي أفشل حتى الآن كل المفاوضات، المواضيع الجوهرية مثل مكانة القدس، ترسيم الحدود، المستوطنات، المياه، المعابر، وان كان سيبقى، إلا أن هذه الألغام ستبحث بين دولتين ذاتي مكانة متساوية وليس بين دولة ومنظمة. ولا ينبغي لهذه أن تكون دولة ذات حدود مؤقتة. فالإعلان الفلسطيني سيتضمن كل أراضي فلسطين، بما في ذلك شرقي القدس. بالنسبة للأجزاء المحتلة في يد إسرائيل سيتعين على الدولة الفلسطينية أن تقرر كيف تتعامل معها، ولكن يمكنها أن تطالب بإزالة الاحتلال عنها من موقع العضو الكامل في الأمم المتحدة. 2011 سيكون في حينه من ناحية إسرائيل عامًا حرجًا. القوات الأميركية في العراق وجزء من القوات التي في أفغانستان ستكون خرجت منهما، وإسرائيل ستبقى الدولة الوحيدة التي تواصل احتلال دولة أخرى.
فياض، مقابل "حماس"، لاحظ نافذة الفرص الدولية هذه، وهو على ما يبدو يعرف أيضا بأن المنظور السياسي قد يتغير. نشأ الآن لقاء إيرادات نادر، يدعم فيه الفلسطينيون، والدول العربية، والولايات المتحدة وأوروبا، وكل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، الإعلان عن الدولة الفلسطينية - أو على الأقل لن يعارضوه. وحتى التهديد الإسرائيلي بضم أراضي المستوطنات لن يكون له مفعول. فمثل هذا الضم، في ظل المكانة المهتزة لإسرائيل، من شأنه أيضًا أن يجر عقوبات حقيقية. في الوقت الذي تستعد فيه إسرائيل لسلسلة أخرى من المناورات حيال عباس، وعندما يجند الطرفان أفضل قواهم قبيل العرض أمام الأميركيين لا يوجد حل أكثر مناسبة للإعلان عن الدولة الفلسطينية لانهيار مسرح الدمى.

 

* كبير محللي الشؤون العربية في "هآرتس"

قد يهمّكم أيضا..
featured

ثقة الشعب أكبر رصيد

featured

بيروت الكرامة .. وعرسال الانتفاضة

featured

أتسمون هذا تجميدًا؟

featured

..الأَحْمَدَيْن،

featured

فواتير من الدم والمعاناة

featured

رُوّاد النهضة وإنجيل ماركس

featured

أبو الفهد: ثلاثٌ كنّ فيه

featured

متطلبات الأمن والاستقرار الوطني