لم يعد هنالك حدوداً للأمن ، ولم تعد خطوط الطول أو العرض لهذا البلد العربي أو ذاك مغلقة على الرياح أو الشمس أو الثورة و التغيير ، فالعامل الوحيد الذي يجعل العربية السعودية أو تونس أو قطر والبحرين وسلطنة عمان أو مصر تتأخر عن بعضها البعض، هو عامل الوقت ، فإذا كانت تونس ومصر بالأمس ، واليوم ليبيا والبحرين واليمن ، فغداً ستكون لدى العربية السعودية وسوريا والسودان ، فإذا كانت دوافع التغيير في تونس ومصر وليبيا هي عوامل اقتصادية وسياسية ، فهذا لا يعني أن العامل الاقتصادي المستقر سيحمي بلدان الخليج الثرية من التمرد والعصيان والثورة ، فإذا كانت شعوب الخليج العربي شبعانة من الخبز وبعضها يتمتع بالرفاهية فهي جوعانة للكرامة وللتعددية وللديمقراطية وبعضها يُعاني من التمييز ويضطهد الشيعة، وكأن التشيع أو الشيعة مسبة أوكأن التشيع يتعارض مع المواطنة أو أن المطلوب من المواطن أن يكون سنياً حتى يكون موالياً ومخلصاً لمواطنته ، فالتمييز في البلدان العربية ، صفة ملازمة للأنظمة الحاكمة سواء كانت ملكية أو جمهورية ، فهناك اضطهاد للأمازيغ في الجزائر والمغرب ، وهناك اضطهاد للأفارقة في السودان والصومال وجيبوتي ، وهناك اضطهاد للشيعة في العربية السعودية والبحرين ، وهناك اضطهاد للأكراد في سوريا كما كان في العراق ، وهناك اضطهاد للمسيحيين في مصر والعراق ، وهكذا نجد أن لدينا سمة غالبة للتمييز والاضطهاد الديني والقومي في عالمنا العربي ، وهي إحدى عوامل و محركات الثورة والاحتجاج ، والخليج العربي ليس بعيداً عن هذه المظاهر بل هو نموذج متخلف يعبر عنها ، كما أن غياب الديمقراطية والتعددية وصناديق الاقتراع هي السمة الأبرز لأنظمة الأسرة الواحدة المتحكمة لدى النظم الخليجية مثلها مثل الأسر الحاكمة أو العشائر المتحكمة لدى " الجمهوريات الملكية " كما هو الحال في ليبيا واليمن وسوريا .
بلدان الخليج العربي الستة ، من المجموعة العربية الثانية التي تحتاج للحماية الأمنية والعسكرية الأميركية والأوروبية ، وبالتالي فهي ستسمع وتستجيب للنصائح الأميركية الأوروبية ، حتى لا أقول أنها ستنفذ التعليمات الأميركية الأوروبية ، مثلها مثل مجموعة البلدان العربية الأولى التي تحتاج للمساعدات المالية الأميركية و الأوروبية ، وهي مساعدات ذات طابع مدني وعسكري ، تقدمها الولايات المتحدة وأوروبا لكل بلدان المجموعة العربية الأولى وهي موريتانيا والمغرب وتونس ومصر وجيبوتي والأردن وفلسطين ولبنان واليمن ، وبالتالي فهي تسمع وتستجيب للنصائح الأميركية الأوروبية ، بشكل أو بآخر .
مجموعة البلدان الخليجية الستة لأنها تحتاج للحماية الأميركية الأوروبية ، لن تكون معزولة عن سير الأحداث وسيناريو التطورات كما حصل في تونس ومصر ، التي استمع رئيساها زين العابدين بن علي وحسني مبارك ، للنصائح الأميركية الأوروبية واستجابا لمطالب الشارع التونسي والمصري ، وبذلك تكامل المطلب الداخلي الشعبي مع تأييد ونصائح العامل الدولي ( الأميركي الأوروبي ) للوصول إلى الهدف المتمثل بانتخابات رئاسية من الشعب وتداول سلطة وفق صناديق الاقتراع مع برلمانات منتخبة من قبل الناس.
والأنظمة الملكية ، وفي طليعتها النظام الخليجي يجب أن تصل إلى الهدف ، لقيام أنظمة ملكية فيها ، تقودها حكومات برلمانية على أساس الأغلبية النيابية وأحزاب متنوعة تقوم على مبدأ التعددية ، وفق المطالب الشعبية وقيم العصر والقرار الدولي ، ولا هروب من هذه الاستحقاقات ، ومن يقف ضدها سيتلاشى وكأنه لم يكن ، مثله مثل شاه إيران وامبراطور الحبشة ، سابقاً ، وزين العابدين بن علي وحسني مبارك لاحقاً .
لقد بات المشهد المستقبلي للنظام العربي واضحاً في أهدافه وتطلعاته ، متمثلاً بجمهوريات ذات رؤساء منتخبين ، وملكيات ذات حكومات برلمانية ، والزحف ، لن يستثني أحداً من استحقاقات التغيير ، ومتطلبات الحياة والعيش الكريم على أساس المساواة وتكافؤ الفرص ، لشروط التعامل مع نظام القرن الواحد والعشرين .
من يستدرك ، ويسبق الحدث ويعمل على الاستجابة مع استحقاقات الحياة وشروط القرن الواحد والعشرين ، ويلبي تطلعات شعبه ويستمع للنصائح الأميركية الأوروبية ينجو بنفسه من الثورة والاحتجاجات ، ويحمي شعبه من الأذى وبلده من الهلاك والخراب ، ولا يكرر تجربة ليبيا الدموية ، لأن قائدها العظيم الملهم معمر القذافي لم يتجاوب لا مع الاحتجاجات الشعبية ولا مع متطلبات المرحلة ولا مع القرار الدولي ولا مع النصائح الأميركية الأوروبية ، ولذلك سقط في الخيار الدموي ولن يخرج منه سالماً .
العالم لم يعد مغلقاً ، والاتصالات والتقنية فتحت بوابات التأثير المتبادل بين الشعوب وقيمها ولم تعد الحدود هي أقفال الحماية ومفاتيح الأمن ، فالأمن الاقتصادي والاجتماعي والوظيفي هي مفاتيح الحماية والاستقرار والأمن الوطني ، للنظام وللشعب على السواء ، لدى البلدان الملكية والجمهورية في العالم العربي .
h.faraneh@yahoo.com
20/3/2011
