حين كتب شاعر المقاومة الكبير توفيق زيَّاد:"ما كُلُّ دَاعٍ للعُرُوبَةِ صَادِقٌ أَو كُلُّ بَرَّاقِ النُّيُوبِ غَضَنْفَرُ" لم يقصد فيها أعراب بلادنا فقط، بل شمل أيضًا هؤلاء الذين يساومون، على الوطن العربي، بائعينه برمَّته، لكي يكون لهم مسرح دُمَىً، يلعِّبون به عرائسهم كيفما شاؤوا ويُلبِّسونهم ما أرادوا من غَترات بيضاء أو حمراء أو سوداء وفوقها عقالٌ، لكي يتقنوا الدَّور المُلقى عليهم. وقد تكون هذه الكوفيَّات، على اختلاف ألوانها وأنواعها، قد حيكت لهم لتُعميهم عن رؤية الحقيقة بكلِّ جوانبها، كما يضعون "الغِمامةَ" على جانبي عيون الجحش، لكي يحدِّدوا من رؤيته، ويرى ما يريدون له أن يعمل وأن يرى وتُضع "الغِمامةَ" أيضًا بين فكَّي الدَّابة لئلا تعضّ أو تنبح أو تأكل (كما جاء في المنجد)..وبهذا يخفون ويختزلون، المسافة ما بين العين والأذن، بغطاءِ الحَطَّات، ويتحكَّمون بكلِّ حركةٍ تقوم بها الدَّابة يُمنى ويُسرى وفي أحيانٍ أخرى يستأصل المديرُ الأمريكيُّ (ومن رقص في رحابه) أصابعَ الممثِّلين من الأعراب، وهم الأشدُّ نفاقًا وتآمرًا على شعوبهم ووطنهم، حتى تُعدمَ المسافة بين حاسَّة السمع والرُّؤية وحتَّى يتطابقَ ويتساوى الحقُّ والباطل.
قال الإمامُ عليّ بن أبي طالب، الذي كرَّم الله وجهَه منذ أن كان جنينًا في رحمِ أمِّه، فاطمة بنت أسد الهاشميَّة، فعندما كانت تركع وتصلِّي للآلهة كانت تُصابُ بآلام المخاض، ممَّا يَمنعُها من الرُّكوعِ والانحناء، وبهذا اكتسب شرف عدم السُّجود للأصنام منذ أن كان في أحشاء أمِّه: البُعدُ بين الحقِّ والباطل هو أربعة أصابع، وهي المسافة التي تفصل ما بين العينَ عن الأذن. فالبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ
سَمِعْتُ، وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ!
لكنَّ الحَمَدين في الخليج وآل سعود في بلاد الحجاز الذين تسلَّطوا على خيرات الدِّيار المقدَّسة في شبه الجزيرة العربيَّة والعملاء الأجيرين الآخرين في منطقتنا، من أحفاد جيش لبنان "الحرِّ"، والجيش السُّوري "الحرِّ" من بعده قرَّروا أن يستمرُّوا في المؤامرة، لخلق جوٍّ مريحٍ وآمنٍ لحلفائهم من بني قريظة ليصُولوا ويجولوا ويعمَلوا ما شاؤوا دون رادعٍ أو مانعٍ، ولم يتعلَّموا من تاريخ سعد حدَّاد وأنطوان لحد وسامي الشِّدياق، لقد دُحِر هذا الجيش هاربًا إلى مشغِّليه في الحدود الجنوبيّة بفضل المقاومة الشَّريفة والبطلة وبفضل دعم سوريا الكامل..
عجبًا كيف يمنحون أنفسَهم اسمَ "الجيش الحرّ"، والحرِّيَّة منهم براء، وهي لا تمتُّ لهذا الجيش بصلةٍ، "جيش حرٌّ" ويتآمر مع الاستعمار والقوى الرَّجعيَّة العربيَّة والتُّركيَّة الرَّسميَّة والصَّهيونيَّة على شعبه ليكونَ جرَّارَ ذيلٍ لأعداء الوطن والعروبة والمقاومة، "جيش حرٌّ" من التزاماته بقضايا شعبه اليوميَّة والاجتماعيَّة والقوميَّة. "جيش حرٌّ" يرسل الإرهابيِّين ليُفجِّروا أنفسهم بين أبناء جلدتهم ليقتلهم وتسيل دماهم هدرًا وزورًا، كتائب عطشى لدماء الأبرياء من السُّوريِّين، نزولاً عند رغبة الأمريكان الذين دعوا المعارضة إلى عدم تسليم السَّلاح، إنَّه تدخُّل سافر في شؤون الدَّولة السُّوريَّة الدَّاخليَّة، فأين الحرِّيَّة من الطَّاعة للأمريكان..
"جيش حرٌّ" يفجِّر أنابيب النَّفط والغاز ليمنع عن شعبه لقمةَ العيشِ والدِفء في هذا البردِ القارص..
"جيشٌ حرٌّ" يساومُ على بلده ووطنه مع أعداء شعبه، ليجعل من سوريا، البلد الآمن والأمين ومأوى المضطهدين والمظلومين والمناضلين واللاجئين من وطننا العربي، عراقًا جديدًا أو ليبيا جديدة، يتقاتل ويتناحر أبناء الوطن الواحد بعضه
ببعض..
كيف يمكن لأمريكا أن تقود الكَون إلى الحرِّيَّة وهي تنتزعها من شعوب العالم عبر تاريخها الدَّامي الطويل، منذ نشوئها غير الشَّرعيِّ، على أرضٍ ليست أرضُها بعد أن سلبَ المهاجرون من الأوروبيُّون، الدُّخلاء، الهنودَ الحمرِ وطنهم بعد أن سبَّبت لهم كارثة ونكبة إنسانيَّة من قتلٍ وذبحٍ وقمعٍ وتنكيلٍ وتسميمٍ، ومن تبقى على قيد الحياة وضعته في محميَّة سياحيَّة لتجبي من السَّائحين القادمين "ليتفرَّجوا" على واحة الحرِّيَّة هناك، فما قام على باطل فهو باطل..
زد على ذلك حرق النِّساء والأطفال والشُّيوخ، حين كانت تقذفهم بقنابل النَّابالم في اليابان والفيتنام، وحتى يومنا هذا تنتهك حقوق الإنسان الأساسيَّة في سجون غوانتنامو وأبو غريب وأفغانستان من تعذيبٍ وشبحٍ وترعيبٍ وتهديدٍ ووعيدٍ وتمثيلٍ بجُثثِ القتلى، ونرى اليوم أيضًا القمع الوحشيّ للمتظاهرين في مدن الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة برشِّ الغاز والفلفل الحارِّ والسَّوائل الملوَّنة على وجوه المتظاهرين الأمريكان، والذي يدلُّ على أنَّ هذا هو نهجهم وقناعتهم وتربيتهم وثقافتهم وهو ليس تصرُّف أفراد غير مسؤولين "يجب محاسبتهم".
تجدُ نفس الثَّقافة والنَّهج لدى الدول الأوروبيَّة، ففرنسا قاتلة المليون ونصف شهيد جزائري، هي نفسها التي نكَّلت بالسُّوريِّين واللبنانيِّين في ثلاثينات وأربعينات القرن المنصرم خلال احتلالها أراضي البلدين، بحجَّة انتداب البلدين من أجل مصلحة أهل البلدين، وما زالت تطمع بالعودة إلى سيطرتها على المنطقة، بعد أن تآمرت مع بريطانيا، الدَّولة الاستعماريَّة التي احتلت نصف العالم حيث كان اسمها الإمبراطوريَّة التي لا تغيب عنها الشَّمس، من خلال معاهدة سايكس بيكو، وقسَّموا وطننا العربي بشكل يُبقي لهم منفذًا للعودة إليه بعد أن زرعت فيه قبل خروجها بذورَ الفِتَنِ والفوضى والخلافِ داخل الوطنِ وعلى حدودِهِ، وهي اليوم تذرف دمعًا، رياءً، دون حياءٍ ودون خجل ولا حُمرة وجن على حرِّيَّة شعوبنا..
لكن هذا الشَّعب، في سوريا العربيَّة، الوطنيّ والمقاوم والعُروبي والواعي بالفطرة والحارس الأمين على مقدَّرات بلده يعرف كيف يُحطِّم هذه المؤامرات على صخرته الصُّوَّانيَّة الصَّلبة، برصِّ صفوفه ووحدة مواطنيه، بكلِّ مكوِّناته وأطيافه ووعيه لحجم المؤامرة على وطنه الغالي، في الدَّاخل، طائفيًّا ومذهبيًّا وقوميًا، وبتحالفه مع أصدقائه في الخارج مع المقاومة اللبنانيَّة التي تعرف كيف تردَّ الجميل لسوريا لأنَّها كريمة، ومع روسيا والصين وايران وكوبا وفنزويلا..لذا سوريا قويَّة بشعبها الزَّاحف بملايينه إلى الشَّوارع وبشكلٍ عفويٍّ وأسبوعيٍّ تأييدًا لحرِّيَّة الوطن وقائد الوطن والإصلاح، وبأصدقائها الشُّرفاء في العالم.
وباعتقادي فشلَ المراهنون، من أحفادِ أبي لهب وامرأتِهِ حمَّالة الحطب، فشلاً ذريعًا من النَّيل من سوريا، مع أنَّها لم تُحسم بعد بشكلٍ قاطعٍ، وليخسئوا ألف مرَّة، لأنَّ خسارة هذا الرِّهان أكيدة وقريبة المنال وهذا طويل على أنيابهم.
وستبقى الكوفيَّات، بكلِّ ألوانها، رمزَ عروبتِنا وبطولاتِنا وصمودِنا وعنفوانِنا، تلك التي كانت تُزيِّنُ رؤوس الأبطال الشُّهداء، سلطان باشا الأطرش وإبراهيم هنانو وصالح العلي وعبد القادر الحسيني وجميع ثوَّار فلسطين، حيث أصبحت الكوفيَّة رمز التَّحدِّي والصُّمود والإباء والوفاء والانتماء، وسنبقى أحرارًا فوق أرضِنا.
ربِّي امنح سوريا وطنًا وشعبًا وقيادةً الأحمَدَين، السِّلم والأمان، وارْدُد الحَمَدين وزعانفهما إلى أسفل السَّافلين واصلِهم بنار جهنَّم، بجاه مار الياس والخضر أبي العبَّاس، كما تتضرَّع والدتي، أم خالد، إلى مولاها العليِّ القهَّار ليُلبِّي دعواتها وصلواتها..
وأهديكم هذا الرَّابط:
http://www.youtube.com/watch?v=eihjgxevATE&feature=related
حيفا
