يوم الأحد في الثامن من أيار، انطلق مونديال بلديات 2016 ، في بيروت والبقاع. بين التصديق والتكذيب، بين التعليب والتكليف وبين الضجيج والصمت. حضرت الصور والملصقات والدعايات لمحادل أحزاب السلطة الطائفية، وغابت البرامج على أمل مغيب الفوز وتحويل الليل إلى مهرجان مفرقعات وعرض العضلات.
يوم التاسع من أيار، لم يكن يومًا للنصر المظفر كما أرادته وحوش سلطة المال والفساد. كان يومًا لإعلان نقطة تحول مصيرية في حسابات أهل السلطة بعد قراءة مؤشر نسب المقترعين في بيروت وأرقام الفوز الملغوم في بيروت وزحلة وبعلبك، والانتفاضة الشعبية في بلدة عرسال.
*****
بيروت المدينة لم تمت. إنها تعيش بين حدود الموت والحياة. ما أن تنتهي حتى تبدأ وتنهض من جديد. هي المدينة نفسها التي تتآكل فيها الطوائف والمذاهب ويعشعش فيها فساد السلطة ومؤسساتها. لكنها هي ذاتها المدينة التي طردت المارينز، وأطلقت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) وطردت المحتل الصهيوني منها، وأسقطت اتفاق 17 أيار المشؤوم .. وهي المدينة التي حضنت كل الوافدين اليها، وحملت قضية فلسطين ولواء راية تحرر الوطن العربي.
بيروت أكبر من بلدية، وأكبر من شركة سوليدير. بيروت مدينة لا تقيدها أو تشل حركتها المربعات الأمنية في غربها أو شرقها .. بيروت كبيرة بمقاومة وصمود أهلها، وحكيمة بصبر ناسها على تحمل ويلات أهل الحكم. لكن كرامة "أهل بيروت" تأتي أولًا، وهذا هو الصوت الحقيقي الذي وضعه "البيارتة" في صناديق الاقتراع يوم الأحد الماضي، فكان صوتًا مدويًا "زي ما أرادوه هم" بعكس ما أراده تحالف سلطة قوى 8 و14 آذار، وخطابهم الطائفي ومالهم المسروق من أموال الفقراء وخيرات الوطن.
بيروت "الكرامة"، كان العنوان الأبرز لانتخابات البلدية، وأهالي بيروت قالوا كلمتهم، تصويتًا، أو مقاطعة، ومن لا يعرف أهل بيروت صعقته الصدمة، وخانته التحليلات، لكن لا أحد منهم يجرؤ على قول حقيقة ان أهل هذه المدينة المناضلة مر عليهم الكثير، وتحملوا الكثير، وقاوموا وحطموا كل الرموز والأوهام، وكسروا بصمودهم وكرامتهم عنجهية كل ظالم وحاكم ومدعٍ ومحتل وغاصب وفاسد.. لتبقى بيروت نقطة لقاء كل المنتاقضات، ونقطة حوار لأسئلة الربط بين الماضي والحاضر، لصناعة الغد.
هذا هو المعنى الأول الذي تتفرع منه كل الأسئلة عن نتائج انتخابات البلدية. فالعاصمة العربية الأولى للمقاومة الوطنية استعادت صورتها المشرفة قبل أن تضيع في حفلة الفساد الكبرى لتحويلها إلى مكب للنفايات، ومواقف لليخوت على الاملاك البحرية المنهوبة، وملاهٍ لتجارة الجنس والبشر، وأبنية خرساء صامتة لا حياة فيها.. ما جرى لبيروت والوطن كان متوقعًا منذ إتفاق "الطائف"، وما تلاه من ممارسات سياسية طائفية لأهل السلطة فاقت كل الحدود. لكن لم نكن نتوقع قدرة الناس على الاحتمال والصمود لا لتقاعس منهم، إنما خوفًا من تكرار فتنة إلى حيث لا عودة . ثم نكتشف، على الرغم من هذا الفخ الجهنمي، أن الفتنة هي دائمًا أصغر من الوطن. وإن ما صنعته بيروت كان بداية جديدة، في مواجهة، كل الفتن والعصبيات الطائفية، وضد كل أنواع الظلم والجوع والفساد والنهب والمحسوبيات.. هذا البعد الذي صنعه أهالي بيروت ضد لائحة "تحالف السلطة المستبدة" هو جرس الإنذار الأخير، ورسالة لمن يعنيه الأمر أن الشعب قادر على أن يتجاوز كل شيء ويستعيد سيرته.
وسيرة عاصمة المقاومة العصية، هي سيرة الشعب، والشعب يسقط جميع السلطات. قالها شعب بيروت بكرامة وعنفوان، وبروح ديمقراطية في صناديق الاقتراع على بلدية بيروت، أو بامتناعه عن التصويت بنسبة 80%. وقال "لا" لسلطة الفساد والنهب والفتن الطائفية، ونعم " للتغيير". تحية الكرامة إلى عائلات أهل المقاومة والكرامة بيروت.
*****
من بيروت إلى عرسال. حيث تبدو عرسال أكثر جمالًا مع المقاومة الشيوعية "ريما كرنبي" إبنة عرسال الوطنية المناضلة، ورفيقة شهداء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية الذين سطروا ملاحم البطولة من عرسال إلى كل الوطن ليزرعوا فرح الانتصار على العدو الصهويني من بيروته الى بقاعه وجبله وجنوبه.
عرسال الشهيدة ، استعادت فخر شهادتها للمقاومة، وفخر انتماء أهلها للوطن من خلال لائحة "عرسال تجمعنا" حيث استطاعت فك أسر هذه البلدة الوطنية العريقة من يد التطرف والإرهاب الأصولي وتحريرها من سطوة عصابات الجهل والتخلف وتجار الفتن المذهبية، لتحصد الرفيقة "ريما" مقعدًا واحدًا من أصل عشرين مقعدًا فازت بها لائحة هذه المناضلة على لوائح أعداء عرسال وأهلها، وأعداء الوطن برمته.
هي بلدية واحدة، لكنها توازي برمزيتها كل معارك بلديات تحالفات السلطة الطائفية وثنائياتها وثلاثياتها لأنها قاومت سطوة التطرف والإرهاب، واستعادت عرسال بأصوات أهلها وقواها اليسارية والديمقراطية الى حضن الوطن.
هو مقعد واحد لامرأة في بلدية، لكنها امرأة مناضلة واحدة اختصرت، بإرادتها المقاومة، وتحديها لتغيير صورة المرأة اللبنانية ودورها وموقعها في المجتمع على نقيض ما يصوره الفكر الأصولي الجاهلي المتخلف لها، وبصمودها الى جانب أهل عرسال، وببرنامجها العلماني الديمقراطي، اختصرت "ريما كرنبي" بنجاحها الباهر قضية نساء الوطن، وقالت إن المرأة على قدر المساواة مع الرجل تستطيع فعل التغيير الديمقراطي، كما فعلت في المقاومة والتحرير.
تحية الى انتفاضة أهل عرسال الوطنية، والتحية الى " الرفيقة ريما" وجه عرسال المقاومة.
*****
إنها بداية، والبداية تكمل مسارها من خلال عدوى انتفاضة بيروت وعرسال إلى جميع معارك البلديات الآتية في جبل لبنان والجنوب والشمال. كمقدمة لمعركة الانتخابات النيابية، وبتعزيز وحدة العمل الوطني والديمقراطي، رفضا للطائفية والفساد والمحسوبيات .. ومن أجل معركة الإنماء والانتماءالوطني والتغيير الديمقراطي.
(النداء)