الحرب العدوانية الأخيرة تموز – آب 2014، على قطاع غزة، لم تضع وزارها بعد، وهي ليست الأولى ولا الأخيرة التي يبادر لها حكام إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية عامة. التهديد الإسرائيلي مُسلط يستمر في استهداف ليس القطاع لوحده وإنما القضية الوطنية لمحوها عن الخارطة السياسية في صراع الشرق الأوسط. فشن الغارات الإبادية الهمجية لقتل اكبر عدد من المدنيين من الأطفال والنساء وغيرهم، هو ما يميز الأسلوب الإسرائيلي القائم على مبدأ القوة، وتحويله إلى مبدأ إنساني "حق الإسرائيليين بالأمن والاستقرار والعيش الرغيد" دون الأخذ بعين الاعتبار حقوق الآخرين، يعني إنكار حق الفلسطينيين بالأمن والاستقرار وتقرير المصير في دولة مستقلة، حتى إلى جانب إسرائيل يرفضونها في الخفاء ويسعون على ارض الواقع باستحالة المطلب وصعوبة التنفيذ وغير قابلة للحياة.
فالحل المتبقي بعد فشل أو إفشال مبدأ الدولتين، هو دولة ثنائية القومية لكلا الشعبين، فإذا كان الإسرائيليين يرفضون خفية ويسعون جهارًا لتدمير الحل الأول، هل يقبلون بالحل الثاني؟ وهو الحل الطبيعي الأكثر عدلا في تقريب وجهات النظر بين الشعبين في رؤية واحدة مشتركة في بناء أسس التعايش المشترك، على قاعدة الاحترام المتبادل والازدهار والتطور المشترك لما فيه خير وتقدم، ليس الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وإنما كافة الشعوب القاطنة في الشرق الأوسط وتأثير مثل هذه الروح، وهذا المناخ السياسي والاقتصادي والعلمي على مجمل العلاقات الدولية على مستوى العالم اجمع. ووضع الجهود الجماعية للشعوب والأنظمة المختلفة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وعلميًا، تحت مسؤولية واحدة ووحيدة، وهي توفير الأمن والأمان مع توفر القدرات والموارد البشرية والطاقات الطبيعية في خدمة الإنسان وتطوره وازدهاره، وفي مواكبة روح العصر الحديث في التغلب على سياسة مُشعلي الحروب والأزمات والأمراض وتقلبات المناخ والطبيعة التي تعتبر العدو الأساس لتطور ونمو المجتمع البشري إلى ان شكل الإنسان وأصبح عدو نفسه بنفسه.
ان جذور الحرب والعدوان تكمن بالسياسة العدوانية الطبقية لحكام إسرائيل في معاداة الشعب الفلسطيني والشعوب الأخرى وهذه السياسة تكمن بجوهر التحالف الاستراتيجي المتعدد الجوانب، وانسجام المصالح الاستراتيجية بين النزعة والطغمة المالية المسيطرة في إسرائيل، بكل ما تمثله من ثقل كبير في الاقتصاد والاستثمار والعسكرة والتصنيع العسكري، وبين مثيلاتها في الولايات المتنورة الحليف الأكبر والأقوى على مستوى العالم، في استمرار الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري، في إبقاء حكام إسرائيل على عرش العربدة والبلطجية والتنكر لحقوق الشعوب وللشعب الفلسطيني بشكل خاص، ضاربة بعرض الحائط كل القرارات والمواثيق الصادرة عن الشرعية الدولية المتمثلة بالأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.
ان مثل هذه السياسة على المدى البعيد لا يمكن ان تجلب الأمن والأمان والاستقرار الاقتصادي والمعيشي وحتى النفسي للشعب الإسرائيلي، الذي بأكثريته الساحقة مشلول عن التفكير ومضلل ومسمم سياسيًا وفكريًا على يد ماكينة الإعلام الصهيونية لحكومات إسرائيل المتعاقبة. فالتفوق العسكري بالبحبوحة المعيشية والاقتصادية التي تتمتع بها إسرائيل نتيجة للدعم الأمريكي والأوروبي لها، يضعها في سلم الرخاء والازدهار والتطلع إلى لعب دور اكبر في السياسات العالمية والتكتلات الاقتصادية، مما يعطيها فرصة التغلغل في أوساط الدول والشعوب الفقيرة في إفريقيا واسيا وأمريكا اللاتينية. لكن هذا التطور غير مضمون ولا يعمر طويلا على المدى البعيد، وفي عصر اشتداد التنافس الاقتصادي وتعدد الأقطاب والمحاور السياسية والاقتصادية على نطاق العالم، ثم مثل هذه السياسة التي تدار بالتنسيق مع والمربوطة بعجلة السياسة والاقتصاد الرأسمالي الأمريكي والغربي عامة، لا يمكن ان ينتج عنها سوى الأزمات والحروب التي بادر إليها ساسة إسرائيل بدعم وغطاء أمريكي مباشر، فالأمريكيين همهم الأول مصالحهم في المنطقة و"مقولة حماية امن إسرائيل" ما هي إلا في الواقع سوى حماية المصالح الأمريكية التي ترعاها إسرائيل والعرب الأمريكيين، فإسرائيل بسياستها القائمة على القوة والعربدة تعتبر الذراع التي تحمي بها المصالح الأمريكية في المنطقة.
فالولايات المتحدة وكذلك الأوروبيين يتاجرون بالشعب الإسرائيلي بالتنسيق مع حكومات إسرائيل وقادتها وكذلك بشعوب المنطقة بحجة الحماية والأمن. لقد بادر الإسرائيليين منذ قيام كيانهم بالقوة وبدعم الاستعمار إلى شن المزيد من الحروب والى ارتكاب العديد من عمليات القتل الجماعي والى التشريد والقمع والاحتلال ضد الشعب الفلسطيني وغيره من الشعوب المجاورة، يملكون المال والعتاد نتيجة للدعم الأمريكي المباشر. ولكن كل هذا لم يجلب لهم الأمن والأمان، حتى الوضع الاقتصادي والمعيشي يعاني من أزمات وعدم استقرار نتيجة لسياسة الصرف على الحروب والاحتلال.
تفوق حكام إسرائيل من الناحية العسكرية والتكنولوجية والتصنيع على جيرانهم العرب، لم يوفر لهم الأمن والاستقرار، بل بالعكس زاد الأمور تعقيدًا نحو المزيد من شن الحروب وسفك الدم، وتأجيج الكراهية والحقد على ممارساتهم العدوانية، وأطلق العنان للشعوب والأنظمة الأخرى، إلى رفع وتيرة التسلح لحماية أنفسهم وتشكل عامل الردع وكبح جماح واحتكار حكام إسرائيل للقوة العسكرية المسيطرة في المنطقة، كذلك فتح الباب أمام اقتناء وامتلاك الدول للسلاح النووي مقابل إسرائيل منذ ستينيات القرن المنصرم، المشهد الحالي من استمرار الحرب والعدوان على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وارتفاع فاتورة الشهداء يوميًا، يوازيها غياب الأمن والسلم لسكان الجنوب، ناهيك عن الخسائر البشرية والاقتصادية والنفسية في الجانب الإسرائيلي، الخسائر في الجانب الفلسطيني تفوق قدرات الشعب الفلسطيني حكومة وشعبًا، لكن في مثل هذه الحالة ما على القيادة والشعب الفلسطيني سوى الاستمرار في رفض الحرب والاحتلال وفك الحصار الظالم وفتح المعابر والميناء والمطار وغيره، فالمعركة بالنسبة للشعب الفلسطيني وأهالي غزة بالذات، هي معركة وطنية وكرامة قومية وجودية، وانه لا عودة إلى الوراء ما قبل الحرب وانه يجب تحقيق مكاسب على الأرض. فالمشهد الغزاوي في الصراع الحالي، هو مشهد جديد لم يعتد عليه حكام إسرائيل في السابق في صراعهم مع الشعب الفلسطيني.
لقد ولى الزمن الذي كان حكام إسرائيل يديرون هم وحدهم المعركة بمفاهيمهم السياسية القديمة عصر القوة وإنكار حق الآخرين والتباكي أمام العالم من الإرهاب، هم أول من يمارس الإرهاب المنظم على مستوى الدولة بحجة حماية أنفسهم، فهم أي الإسرائيليين يقتلون القتيل في بيته بالطائرات والمدفعية وبأذكى أنواع الأسلحة، وبالحصار والتجويع، ويطلبون من الضحية عدم الصراخ لا محليًا ولا على الساحة الدولية.
ان المستهدف من سياسة استمرار الحروب وغياب السلام وتغييب الحل، هو الشعب الفلسطيني، وحقوقه المشروعة، وكذلك وحدته حكومة وشعبًا، وكذلك الشعوب العربية. ان الخطر الحالي يكمن في ما يبيته حكام إسرائيل في ظل تعميق أزمتهم السياسية والعسكرية وفقدان القدرة والمبادرة والإمكانية والى الأبد في حسم الأمور والصراع عسكريا، والمشهد الفلسطيني في غزة الأبية والصمود البطولي للاهالي وتعميق الوحدة للتصدي للعدوان قد اجبر قيادات عربية واقليمية الى الاعتراف بفشل الحل والحسم العسكري وتثبيت الحق الفلسطيني، وان هذه الحرب عمقت من عزلة إسرائيل دوليًا، لدرجة ان اسم إسرائيل وقادتها أصبح يزعج الكثير من شعوب وقادة العالم حتى أصدقائها التاريخيين. ولهذا فان خطر الحرب سيظل قائم ما لم يجنح قادة إسرائيل للسلم ولم يتعلموا من تجربتهم وظلوا يغامرون إلى حد الجنون.
(كويكات/أبوسنان)
