"أجراس المشرق"(1)

single


 هكذا، وبدون "شور أو دستور"، مددتُ يدي على العنوان أعلاه لاستعارته مفتاحًا لباب أُطلق منه جملة، من الخواطر المتسائلة الحبيسة داخل قفص الديمقراطية الذهبيّ. وأفتيتُ فعلتي: إذا سرقتَ فلتكُن التحفة تستحق الخطيئة (بشرط ألّا تؤذي.. فالإيذاء هو الخطيئة). أجَل التحفةُ تستحق! وقد أطربتني أصداء رنينها تتكّسر على شاطئ أُذني أمواجًا عائدة من عُبّ دُرّة البحار... تُذكّر بماضيها المتّحد في أجواء الشرق ألحانًا عذبةً تناقلتها الضواحي أناشيد دعواتٍ وتلاقٍ بعد كِباشِ لقرون لم ينتُج عنه إلّا الحلول المـُسكّنة.
"سلامٌ عليكَ وسلامٌ لكَ"، سيّد غسان الشامي، واعذُرني لعدم الرجوع إليكَ بصدد العنوان/البرنامج، وذلك لانعدام الوسيلة، وعلامتي بعلم الاتصالات الحديث صِفْر. واسمح لي بتحيتك تقديرًا على ما تقوم به من تصويبٍ مباشر وغير مباشر على مواضع الأوجاع التي تُسهِم أيّما إسهام بإنهاك جسم شرقنا الحبيب بمسيحييه ومسلميه، وإن بدت الأعراض أكثر وضوحًا وإيلامًا على المسيحيين، فهم كالولد الأوسط، يرى في أخيه الأكبر سلطةً محتملة يجب مداراتها بحِنكة الواثق من موقعه، بينما يرى في أخيه الأصغر طائشًا لا يملك الحقّ بلجمِ سلوكه... ويرتضي البقاء كابحًا من أجل الحِفاظ على السلام الأُسَريّ... هذه حال "الروسيّة" الوسطاء يتمسّكون بالأمل... فقد تأتيهم الأيام بفرص يثبتون بها أنهم ما ضحّوا إلّا ليقينهم بأنّ الحقّ والحقيقة لهما في الآباء نصيب.
أمّا مع العائلات الروحية الكبرى، فكان لهذا أن يصحّ لو لم تتمادَ أيادي جُلّ رعاتنا، كبارًا صغارًا ووسطاء، بتراشُق بذور الفِتَن المغلّفة المنمّقة، من على عُروشهم  في صدور الشاشات غير المسؤولة. فهنيئًا لنا بكَ، وللقناة ضابطَ إيقاع ملهَم وإعلاميًا برتبة باحثٍ شفاف كغيمةٍ طروب... محاورًا يصوغ أسلوبه بتهذُّبٍ شديد وبدون عناء، ليُزيل القشور عن الألباب برفقٍ بالغٍ بهدف الوصول إلى نوى الأمراض الخبيثة المتستّرة خلفَ علّاتٍ مزمنة لا نزال نُمَنّي النفس بالتخلّص منها، وإن طال الزمن. "فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل"! لكن من لنا بماشطات محترفات ينظِّفنَ الرؤوس العفنة دون التعرّض لجلدها بالسلخ...!؟
هيهات ثم هيهات وقد ضاعت الأخلاق في سوق تجارة العقول والنُفوس، بعد استنساخ معايير مغايرة، استبدال مكاييل وموازين بأخرى مزوّرة... فقُرعت الأجراس في القِبب العتيقة... وإذ الرنينُ أنينٌ حزين...! وارتفعت صلوات المآذن العريقة... وإذ التكبير تحذير ونذيرٌ بالأسوأ! فبلعت الكنائس ألسُنها... وقزّمت المساجد قاماتها وكان الـ "غدًا"للناظِر المتبصّر في الأرياف المتاخمة قريبًا، على مرمى حجر من معهد عِلم التوحُّش الحديث المقامة له فروع عديدة في شرقٍ تفوّق طلابه تفوّقًا ذريعًا بعلم الاستيراد.. وبرع معلموه بامتياز الظافر بعلم تصدير المنتجات الجديدة. والنتيجة غثّ الغرب سمين، وسمينُ الشرقِ غثّ!! لأن "كل شي فرنجي برِنجي"!!
أما الله، سبحانه وتعالى، فأغلب الظَنّ أنه يُعاني من متلازمة البحّة نتيجة شعوره الأبويّ بالخيبة والإحباط، أو ندمًا على اختياره هذه البقعة من الأرض مسقطًا لرؤوس أقداسه ورُسله حَمَلة الرسائل رسالات تبشيرٍ بالمحبّة ومُكملاتها، كمفاتيح إلزامية للدخول إلى حدائق النفوس/المعابر الأمامية إلى الجنات العُليا. (وقرأها كلّ على طريقته وربما على هواه). وترك شرقنا العاقّ، أيها المعلمون "يقلع شوكوه بأيده"، مُشيحًا بوجهه حسرةً، عن النافذة المطلة على بيوت السلام، وقد دخلتها السياسة من الباب الخلفيّ عاهرةً بزيّ مُرسلة تُحاضرُ بالعفّة!... لتحوّلها بين صُبح قرنٍ مكلوب وضُحاه إلى مجموعة من بيوت دعارةٍ فكرية تستقطرُ زيوت وخمور كرومنا بدعوى تطهير الأرض من العبودية... ولا شكَّ في أنّ الكرّام فتح صدره معتقدًا باحتمال أن يصير "حراميها حاميها"!
هكذا، وبجرّة فشلٍ حسابيّ، ذلّة، جبن أو غباء، استُبيحت النفوس ودُنِّس تُراب أحلامها المتواضعة، فعمّ هواها انفصامٌ قاتل بين المكرمات الغربية والكنوز الشرقية. ولم ينجُ من الوباء إلّا الفلّاحون صُناع التاريخ الطيبون الأنقياء ورعاة الحقائق... فهؤلاء الفلاسفة البسطاء استشعروا الخطر، "فدبّوا الصوت: جاي يا غلمان جاي... ذئبٌ يعوي في وادينا..."أما الغلمان الأشداء، والرعاة الصالحون الدائبون فقد غاروا في السحيق، وراحت على الكروم والقطعان بخشخشة "ثلاثين من الفضة"، (قفرًا وتشريدًا).
بينما اليهود، سادتي الحكماء، وبحسب الرواية، فقد تاهوا أربعين عامًا في صحراء سيناء. إنما تيهًا جغرافيًا/جسديًا، محكمًا حكيمًا لم يضلّوا معه الطريق نحو الهدف/الحريّة المنشودة. أربعون كانت كافية وكفيلة بالتخلّص من نفوسٍ وحّدتها بالهشاشة قرون من العبودية الفرعونية، ليولد جيلٌ طازج مشبع بحريّة أكبر من مساحة صحراء سيناء... فشبّ محصنًا بحَرِّ نهاراتها وشظَفه وقرّ لياليها ومخاوفه (الشاطر بشطارتُه! أليس كذلك!؟) فلا نرمينَّ بخيباتنا على القدرِ بادعاء أنه أشاحَ عنّا وتواطأ مع غريمنا على هذا الشرقِ، لؤلؤة هذا الكوكب الجميل.
مَضَت، يا أمتي الشاعرة الفذّة الأبيّة، أربعون ونصفها طابش، سبقتها أربعون ونصفها طابش، مهّدت لها أربعة قرون بالتمام والكمال من الاسترخاء الكسول، والتنقل من ذراع هذا السيّد إلى كفّ ذاك... أتُرى "الحقّ يكون"على رقم أربعة مضروبًا بعشرة أو مئة!؟ وأدمنّا العبودية نمارسها حُرّيّة تعوي بكمّامات غير مزوّدة بكواتم صوت... وما ضرّ السيّد سُباب "سفيه" "ما دام الحمار ماشي!؟"
حُكي عن زائر أجنبي (حاج)، أنه استأجر حمارًا وسائقه وسيلة تنقله من بلدة حيفا المبسوطة على الشاطئ إلى مزار مار الياس المتربع فوق عرشه القائم على جبهة الكرمل المطلة على البحر والخليج. الراكب طالع طلوع... والسائق نازل نزول بين دعاء مسموع بالهدى لهذا الزائر الكريم واللّغو بلائحة من الشتائم والدعوة بالسوء لهذا الأجنبي الخبيث، مرفقة باللازمة "ما بيجي من الغرب شي بسُرّ القلب". سمعه المرافق المترجم والمرشد فوشى به، ولفت نظر السيّد الراكِب إلى إمكانية الغدر به وإلقائه إلى الحرش المنحدر شمالًا... فطمأنه ساخرًا: لن يفعلها يا شاطر! أُذكّرك بأننا لا نُقبّض قبل أن نقبض. مضيفًا: "ما دام الحمار ماشي خلّيه يسِبّ على كيفو".

هنا نفترق لنلتقي على الصفحات القادمة مع الشكّ، وما أحرجها لحظات حين توضع، قسرًا، في مواجهته، فتلتبس عليك الأكاذيب بالحقائق!!... (يتبع)....

قد يهمّكم أيضا..
featured

حول فلسطين في التاريخ العربي وحول اهمية الوحدة العربية التي تجعل ميزان القوة لمصلحة العرب

featured

لهستيريا أردوغان ما يبرّرها..

featured

زنوبيا تكسر أغلالها

featured

يسقط قتَلة أطفال اليمن!

featured

سرطان القولون والمستقيم (2)

featured

تحيّة لرافضي التجنيد

featured

انظروا من الذي يتحدّث