منذ اقدم الازمنة والعصور حتى نهاية الحرب العالمية الاولى سنة 1918، كانت فلسطين تعتبر القسم الجنوبي من سوريا وجزءا من بلاد الشام، وبعد وقوع سوريا الكبرى "التاريخية والطبيعية" في قبضة التحالف البريطاني الفرنسي واقتسامهما لسوريا بموجب اتفاقية "سايكس بيكو" الاستعمارية التي جزأت سوريا لاربعة اقطار هي سوريا الحالية، ولبنان وفلسطين وشرق الاردن، وجعلت سوريا ولبنان تحت حكم فرنسا وفلسطين وشرق الاردن تحت حكم بريطانيا، واصبحت فلسطين بموجب ذلك كيانا سياسيا منفصلا عن سوريا الام وتحت سلطة البريطانيين طوال السنوات التي سبقت تنفيذ وعد (بلفور) البريطاني وقيام اسرائيل عام 1948 على اكثرية الاراضي الفلسطينية.
وقبل ذلك عندما تم انتشار الدين الاسلامي في غرب آسيا وفي شمال افريقيا باتت فلسطين من ناحية جغرافية حلقة الاتصال بينهما، واصبحت منذ ذلك الوقت الى منتصف القرن الماضي تقريبا، مشتركة مع سائر البلاد العربية وخاصة سوريا ومصر وبلاد الرافدين "العراق" في التاريخ والثقافة والعادات والتقاليد الاجتماعية وسائر المظاهر والمنجزات الحضارية. ولذلك كانت فلسطين دوما موضع اهتمام كبير من الدول العربية عامة والمجاورة لها بشكل خاص. حيث إن الامن لهذه البلاد مرتبط بأمن فلسطين وامن فلسطين مرتبط على الدوام بأمن البلدان العربية المجاورة لها.
وفلسطين ارض مقدسة لدى المسلمين والنصارى واليهود لانها تتصل بالديانات السماوية الثلاث. فيها اماكن يقدسها اليهود والنصارى والمسلمون.
والمسلمون الاوائل كانوا يتوجهون بصلاتهم نحو القدس قبل فتح مكة، فهي لذلك اولى القبلتين وتأتي بعد مكة والمدينة المنورة في قدسيتها عند المسلمين. اذ فيها يقع المسجد الاقصى وقبة الصخرة ذات الصلة باسراء النبي ومعراجه. وفي مدينة بيت لحم بفلسطين ولد المسيح وفوق مكان ولادته بنيت كنيسة المهد وفي انحاء فلسطين عاش المسيح وتلاميذه وبشروا برسالته وبنيت فوق مكان دفنه كنيسة القيامة. وفي فلسطين اماكن يقدسها اليهود اهمها جبل صهيون وحائط المبكى.
وسكان فلسطين الاقدمون من القبائل السامية التي انتشرت في مختلف ارجاء "الهلال الخصيب" والعرب ساميو الاصل ولم يكونوا غرباء في بلاد الشام التي استوطنوا فيها قبل ظهور الاسلام. وعندما بدأ خلفاء النبي بنشر الدعوة الاسلامية اعتبروا سكان بلاد الشام من اخوانهم ولا يجوز بقاؤهم تحت حكم الاجانب الروم. فاتجه الجيش العربي نحو فلسطين من مكة والمدينة وبلاد الحجاز عام 634 ميلادي. وعندما حشد الروم جيوشهم وكانوا حينذاك حكام سوريا للقضاء على الفتح العربي، انضم عرب بلاد الشام الى اخوانهم القادمين لتحريرهم من الرومي واستطاعوا احراز النصر المبين عليهم في معركة "اليرموك" الخالدة بقيادة خالد بن الوليد في سنة (14 هـ 635م). ثم تم فتح مدينة دمشق، وتم فتح القدس بعد حضور الخليفة عمر بن الخطاب من الحجاز. فخرج اهلها لاستقباله فرحين داعينه لدخول المدينة برضاهم التام وبترحيب الاخوة لاخوانهم وابناء قومهم. وكان لاهل فلسطين على اختلاف دياناتهم حرمة واحترام لدى سائر الخلفاء المسلمين. وبقيت الاماكن الدينية غير الاسلامية محترمة ومصونة مثل الاماكن الاسلامية والمواطنون اليهود الذين كانوا آنذاك في القدس وفي جوارها عاشوا برغد وامان في ظل الحكم العربي العادل الذي استمر ملتزما بالاعراف والقيم والمناقب العربية الاصيلة التي تحترم جميع الاديان وابناء الوطن الواحد من القوميات والطوائف غير العربية وغير الاسلامية.
بعد مرور خمسة قرون على الفتح العربي الاسلامي لبلاد الشام بما فيها فلسطين وطرد الروم منها الى غير رجعة بعد الانتصار عليهم في معركة "اليرموك" الخالدة. تم قيام الدولة العربية الكبرى التي امتدت السيادة العربية خلالها من حدود الصين شرقا الى المحيط الاطلسي والحدود الفرنسية غربا. بدأ داء الانقسام بين العرب يسري وبالتالي تم اجلاء العرب من "الاندلس" ومن جميع البلدان الواقعة شرق العراق. فشجع ذلك الملوك والحكام الاوروبيين وانعش مطامعهم الاستعمارية. فقرروا الانقضاض على الحكم العربي وغزو بلاد العرب والاستيلاء عليها. ووجدوا من مصلحتهم استثارة المشاعر الدينية لدى شعوبهم لانها خير وسيلة للاتفاق حول القيام بذلك. وهكذا اتحدت اطماع ونوازع الملوك والحكام مع ميول قادة الكنيسة الغربية في روما الراغبين في بسط سلطانهم على البلاد المشرقية بمسلميها ومسيحييها الشرقيين الذين لهم مذاهبهم الشرقية والتابعين للكنيسة الشرقية التي مقرها في مدينة "انطاكية" السورية الواقعة الآن كما ذكرت، تحت الحكم التركي على الساحل السوري قرب مدينة الاسكندرونة في شمال غرب سوريا والتي يشملها الآن الحكم التركي للاسف الشديد، وتم ذلك على يد السلطة الفرنسية اثناء احتلالها سوريا منذ عام 1920 الى عام 1946 من القرن الماضي.
نعم من المنطلق القائم على الاطماع الاستعمارية خرجت الجيوش الاوروبية في سنة 1096م متجهة نحو المشرق العربي باسم تحرير بيت المقدس وفلسطين. وعلى الرايات التي يحملها جنود ذلك الجيش رسمت علامة الصليب زورا وبهتانا. فحاشا ان يكون اصحاب الصليب الحقيقيون استعماريين وموافقين على احتلال بلاد الآخرين واختارت الحملة العسكرية هذه، الطريق البري الى سوريا مرورا ببلاد الاناضول "تركيا" الآن. وكان آنذاك يحكمها البيزنطيون وهم من المسيحيين التابعين للكنيسة الشرقية. فأوقع الجيش الاوروبي الغازي الويلات والمصائب بسكان تلك البلاد الذين هبوا للدفاع عن بلادهم وعن حريتهم. مما يدل على ان العامل الديني والاسم الصليبي لهؤلاء الغزاة الاجانب كان ستارا مصطنعا فقط لاخفاء المطامع الاستعمارية الجشعة. وهذا ينطبق ايضا على الغزو الاستعماري الاوروبي الحديث الذي استطاع احتلال غالبية البلدان العربية. متخذا اول الامر مبررات حضارية وانسانية كدافع لما اقدم عليه و يخفي وراء ذلك اطماعه المادية الاستعمارية البحتة هذا وتكررت هذه الحملات واستطاعت الاستيلاء على منطقة الساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط بما فيها فلسطين ومدينة القدس. وتم ذلك بعد ارتكاب تلك الجيوش فظائع كثيرة وكان السبب الرئيسي لنجاح هذا الغزو الاستعماري الاوروبي، تفرّق كلمة العرب. وتعدّد دولهم بدلا من اتحادهم ضد هؤلاء الغزاة لكن بعد مرور قرن كامل تقريبا على حلول هذه الكارثة، وتنبّه العرب من مسلمين ومسيحيين لما حل ببلادهم وايقنوا ان لا خلاص لهم من هذا البلاء الا بالاتحاد، اجتمعت كلمتهم اخيرا على الاتحاد في دولة واحدة تحت قيادة سياسية واحدة فتشكلت هذه الدولة العربية المتحدة من بلاد الشام والعراق في اول الامر تحت قيادة السلطان نور الدين زنكي، الى ان ظهر الى جانبه وبعده بطل حقيقي ومجاهد كبير وقائد عظيم قدر له ان يحرّر القسم الاكبر من البلاد المحتلة، وان يحمل في التاريخ لقب "قاهر الفرنجة الغزاة لبلادنا"، هو السلطان صلاح الدين الايوبي، الذي اضاف الى وحدة سوريا والعراق مصر ايضا حيث ذهب اليها اولا للقضاء على الاضطرابات والفوضى التي كانت تسودها بسبب ضعف الخليفة الفاطمي آنذاك وتنازع قادة مصر فيما بينهم فاستطاع توطيد النظام فيها وان يوحدها مع سوريا والعراق تحت قيادته. وفي سنة (583 هـ - 1187م) جمع حوله وتحت امرته جيشا عربيا كبيرًا ومقتدرا في العدد والمعدات والمؤهلات وبدأ الزحف من دمشق الى فلسطين مارا بالجولان ونزل قريبا من بانياس ونبع الاردن، حيث تم تنظيم وتعبئة قواته للمعركة الفاصلة التي ينوي خوضها، ثم تابع زحفه الى قرب طبريا، فاستنفر ذلك الاعداء وجمعوا قواتهم لمقابلة الجيش العربي وصده. والتقى الجيشان في سهل حطين ودارت بينهما معركة فاصلة انهزم فيها الجيش الافرنجي بعد ان قتل واسر عدد كبير من امرائه وجنوده بقاء الفلول الهاربة منه على قيد الحياة. واعتبرت تلك المعركة العظيمة في مجرياتها ونتائجها من المعارك الحاسمة في تاريخ العرب وتاريخ الفرنجة. وساعد ذلك الانتصار العربي الحاسم على انهيار معنويات الاعداء وسهّل امام الجيش العربي الطريق للوصول الى مدينة القدس وتحريرها. ومما سجل للبطل صلاح الدين الايوبي والجيش العربي الحاسم على انهيار معنويات الاعداء وسهل امام الجيش العربي الطريق وصولا الى مدينة القدس وتحريرها.
ومما سجل للبطل صلاح الدين الايوبي والجيش العربي بمداد الفخر والاعتزاز وشهد به التاريخ، المعاملة الحسنة التي عومل بها الاجانب المدنيون الذين كانوا متواجدين في مدينة القدس والاجزاء التي تمكن العرب من تحريرها وتخليصها من الاحتلال الاجنبي الافرنجي.
وتوفي البطل والمجاهد الخالد صلاح الدين الايوبي قبل اتمام تحرير كامل الاراضي العربية المحتلة. لكن الذي استطاع انجازه قبل وفاته، يستحق الاكبار والتقدير من العرب جميعا جيلا بعد جيل والى آخر الزمان. وبعده في زمن المماليك استطاع الظاهر بيبرس اكمال ما بدأه صلاح الدين واجلاء الغزاة الصليبيين تماما عن آخر شبر محتل من فلسطين والاماكن الاخرى التي كانوا يحتلونها على الساحل السوري.
ومما يستفاد من ذكر ذلك والاطلاع عليه، هو ان العرب بتفرق كلمتهم وانقسامهم الى دول عديدة، اتاحوا للصليبيين فرصة احتلال فلسطين واجزاء اخرى من الاراضي العربية، ولكن عندما توحدوا في دولة ضمت مصر وسوريا والعراق، تغلبوا على الاعداء وارغموهم على الجلاء والعودة الى بلادهم مدحورين ومهزومين، ومما يستفاد ايضا من دراسة ذلك ان الصليبيين لم يستطيعوا القضاء على الروح العربية القومية الاصيلة المقاومة لكل حكم اجنبي لبلادنا العربية، رغم ان تلك الحقبة التاريخية التي امضاها الصليبيون في بلادنا استمرت حوالي مئتي عام أي (196 سنة) فان الإخاء الوطني والقومي المتين بين مواطني بلادنا العربية المسلمين والمسيحيين، شكّل جبهة شعبية قوية بوجه الاعداء، وساعد على اجلاء الاحتلال الاجنبي وتحرير بلادنا من الغزاة الفرنجة الذين رفعوا الصليب شعارا مصطنعا لاخفاء اطماعهم الاستعمارية في بلادنا.
(مجدل شمس- الجولان العربي السوري المحتل)
