فلسطينيون في اسرائيل - وجهة نظر عن واقع الحال

single

أن تكون فلسطينيًا هو مركّب أساسي في هويتنا، أن تكون إسرائيليًا هو جانب مدني كمواطنين في دولة إسرائيل، أن تكون فلسطينيًا فقط في إسرائيل هو شيء مخالف للواقع الذي نعيشه في هذه الدولة كمواطنين يحملون الجنسيّة الإسرائيلية والهويّة الإسرائيلية وجواز السفر الإسرائيلي... فهذا واقع وأمر فرض علينا ولم يكن باختيارنا، كوننا عربًا فلسطينيين اختاروا البقاء في أرضهم ووطنهم وبيوتهم ومدنهم وقراهم، فواقع قيام دولة إسرائيل حوّلنا من فلسطينيين نعيش في فلسطين زمن الانتداب البريطاني إلى مواطنين في هذه الدولة بعد قيامها. فتحوّلنا بذلك من أكثرية قومية في فلسطين إلى أقليّة قومية أصلانية بعد قيام الدولة، وحوّل اليهود من أقليّة كانت تعيش في فلسطين إلى أكثريّة في دولة إسرائيل وتحوّلوا إلى مواطنين لهم دولتهم، لكن أن تكون فلسطينيا وفلسطينيًا فقط هو شيء يخالف الواقع الذي تعيشه الأقلية العربية الفلسطينية، إذ لا يجوز لك ذلك وإذا أردته فعليك ترك محل سكناك والعيش في دولة فلسطين التي لا زالت حلمًا لم يتحقق وقد يتحقق بعد قيام الدولة الفلسطينية. ان بقاءك في حدود دولة إسرائيل يعني أن تكون مواطنًا مخلصًا للدولة التي تعيش فيها ولقوانينها، عليك ما عليك من واجبات ولك ما لك على الأقل من الناحية النظرية من حقوق، وان كانت الثانية غير متكاملة بسبب عدم الخدمة العسكرية في الدولة والأولى غير متكاملة بسبب التمييز العنصري الصارخ الذي تعاني منه الأقلية الفلسطينية في الدولة من حيث نيل الحقوق كاملة أولًا ونيل الخدمات ثانيًا في مجال الميزانيات المرصودة في الدولة للمواطنين والخدمات المنقوصة في مجال التعليم والصحة والمجتمع، فهي غير متشابهة إذا ما قورنت بما يحصل في الوسط اليهودي، صحيح هو الشعار النظري القائل بان إسرائيل دولة يهوديّة ديمقراطية لكن هذه المقولة تعني في الواقع العملي الذي نعيشه أن هذه الدولة هي دولة ديمقراطية لليهود ويهوديّة للعرب، سيما وإننا نعيش هذا اليوم في خضم الحدث الكبير من حيث محاولة التشريع في الكنيست الإسرائيلي فيما يتعلّق بيهوديّة الدولة وتحول العرب إلى أقليّة بلا وطن وتهميش اللغة العربية التي اعتبرت حتى اليوم اللغة الرسمية الثانية في الدولة بحيث تصبح هذه اللغة لغة لا يعترف بها القانون... ان اخطر ما تقوم به الحكومة الحالية اليمينية المتطرفة هو وضع قوانين جديدة يوميًا تقرّها الأكثرية اليمينية ضد الأقليّة وضد كل ما هو عربي ومن أجل خدمة الأكثرية على حساب الأقلية وتفضيل اليهودي على العربي.
لقد سيطرت على واضعي السياسة في الدولة فكرة "أسرلة" المجتمع الإسرائيلي يهودًا ووضعهم جميعًا في بوثقة واحدة عربًا ويهودًا وشرقيين واشكناز، من أجل خلق مجتمع إسرائيلي جديد يتعدّى جميع الفوارق العرقيّة الناتجة عن وضع الدولة الجديد بعد قيامها وهجرة اليهود إليها من جميع أنحاء العالم بحيث جاء اليهود من حوالي ثمانين دولة وتكلموا حوالي ثمانين لغة مختلفة. هذا بالإضافة إلى وجود أقليّة عربية فلسطينية اعتبروها شوكة في الحلق فأرادوا دمجها ومزجها في الدولة وجعلها تنسى انتماءها الأصلي العربي الفلسطيني. لقد حاولت المؤسسة الإسرائيلية الرسميّة تحقيق ذلك عن طريق وضع قوانين تخدم هذه السياسة وقانون التعليم الحكومي بند "ب" سنة 1953 والذي نصّ على أهداف التعليم الرسمي في الدولة تجاهل كليّا وجود الأقلية القومية الفلسطينية فجاءت المناهج التعليمية التي تستند على هذا القانون وجاءت الكتب والمواد التعليمية مليئة بكل ما هو يهودي من حيث تغليب تاريخ اليهود على موضوع التاريخ العربي وتغليب منهج اللغة العربية للعرب بكل ما هو يهودي وإسرائيلي ومنع التلفّظ بكلمة فلسطين وبكل ما هو فلسطيني في المدارس العربيّة ناهيك عن تمجيد عيد الاستقلال وفرضه على المدارس العربية، لقد كانت حصة التاريخ العربي والإسلامي في المنهاج ضئيلة وحصرت المواد الأدبية في كتب اللغة العربية في وصف الطبيعة وفي الرفاه والمديح وكل ما هو إسرائيلي، ومنع تعليم الشعر العربي الذي يقوّي الانتماء القومي والحضاري عند العرب. هذا بالإضافة إلى طمس المعالم الإسلامية والعربية وكأن العرب لم يكونوا يومًا في هذه البلاد. لكن الأجسام العربية الفاعلة في مجال التعليم تصدّت دائمًا لهذه المحاولات واستطاعت أن تغيّر نظريًا قسمًا من المنهاج وأن تعلّم عمليا كل ما هو مخالف للقانون والاحتيال على المنهاج القائم... مثال على ذلك ما كان يقوم به المعلمون الوطنيون من خلال تعليم قصيدة إبراهيم طوقان "بيض الحمائم" مثلًا وتعليم الطلاب الأشعار الوطنية لهذا الشاعر مثل قصيدة "موطني" التي تحوّلت هذه الأيام إلى النشيد الوطني الفلسطيني عند الفلسطينيين. لكن هؤلاء المعلمين لم ينسوا تأكيد الانتماء المدني للطالب العربي من خلال تعليم تاريخ اليهود وتعليم التوراة وتعليم المدنيات حسب المنهاج.
ان الواقع الذي نعيشه اليوم يفرض علينا التسليم والقبول بكيان الأقلية العربية الفلسطينيّة في إسرائيل على مركبّيها القومي والمدني.. والمركب المدني سيظلّ قائمًا حتى بعد قيام الدولة الفلسطينية، إذ من المستحيل أن نتنازل عن أرضنا وتراب أجدادنا وعن وطننا الأصلي، فنحن نرى اليوم هذا التشبّت بالأرض والجذور زاد حدّة على ضوء ما نراه من نشاطات وفعّاليات تتصل بالنكبة وتعمل على إذكاء الذاكرة الفلسطينية حتى لا ينسى الجيل الصاعد انتماءه لهذه الأرض وهذا الوطن وسنبقى هنا جاثّمون على صدور من اغتصبوا أرضنا وسنبقى نحارب ضد السلطة وضد القوانين العنصرية ما دام يجري في عروقنا دم... وذلك من أجل نيل حقوقنا كاملة كمواطنين وبالتساوي مع اليهودي في هذه البلاد في جميع القضايا الاجتماعية والتربوية والصحيّة والإنسانية.. وما وجود لجنة المتابعة العليا واللجنة القطرية للسلطات المحلية ولجنة متابعة الأوضاع الصحية والاجتماعية ولجنة متابعة قضايا التعليم العربي إلا آليات تنسجم مع مطلب تأكيد المركب القومي كاملًا وتأكيد المركب المدني كاملًا ومن أجل فرض واقع ينسجم مع كوننا أقلية عربية قومية اصلانية ومواطنين من الدرجة الأولى شأننا شأن كل مواطن في الدولة سواء كان يهوديًا أو عربيًا.
والدعوة أعلاه إلى التعايش مع واقع الحال لا تعني أبدًا أننا سلّمنا بفلسطينيتنا أو تأسرلنا بل الدعوة إلى استقلاليتنا في داخل دولة إسرائيل كأقلية قومية فلسطينية لسانها العربية وقوامها الهامة الفلسطينية مرفوعة الرأس، لقد تحملنا حتى حرب ال 67 الصفات التي نعتنا بها العرب والعالم العربي على حد تعبير محمد علي طه (الاتحاد 28/5/2017) "بالصهيونية لأننا منغرسون في وطننا على الرغم من المجازر وقسوة الحكم العسكري والاضطهاد القومي والتمييز العنصري وعيّرونا بجواز السفر الإسرائيلي الذي ناضلنا للحصول عليه لنرسّخ بقاءنا في بيوتنا ومدننا وقرانا"، ويضيف كاتبنا الكبير "كنت أردد في سري حينما أسمع أقوالهم... ليت أهلنا بقوا في الوطن وحملوا الهويات الزرقاء وجوازات السفر الإسرائيلية وما عاشوا في المخيمات (لاجئين) ولكن ليت لا تطعم كعكًا ولا خبزًا..." هذا هو واقعنا حتى يفرجها الله علينا ونحصل على ما نريد من خلال قيام الدولة الفلسطينية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

"ضبابية" المصالحة و "منغصاتها"!

featured

الجيش على مقعد مرسي

featured

لاستكمال القرار الهام

featured

براك لا يرتاح يوم السبت

featured

جدران الصمت

featured

و ض ع م (وضع ممتاز)

featured

حتى النصر يا مصر!