فتحت حركة "الاعتقالات" المتبادلة في قطاع غزة والضفة الغربية، التي نفذتها الأجهزة الأمنية المرتبطة بطرفي "الأزمة والحل" للانقسام الفلسطيني "فتح" و"حماس" ابواب الخيبة والشكوك مجددا للتراجع عما تفاهما عليه قبل ايام معدودة تحت "رعاية المخابرات المصرية"، ولم تقتصر المخاوف على مظاهر الاعتقال المبرمج، بل اتجهت لتبادل نوايا التشكيك فتحتها زيارة عبد الرزاق رئيس وزراء ماليزيا الى قطاع غزة، والتي وصفتها الرئاسة الفلسطينية بأنها زيارة لتعزيز الانقسام والمس بالشرعية، ومثلت عبارات البيان موقفا حادا ولعلها الأولى التي تصف بها زيارة حاكم أو مسؤول بشكل مباشر بتلك الصفات، ما يكشف أن الموضوع ليس فقط "عتبا" على الزيارة بذاتها، وهي بالقطع ليست الأولى، فسبقها زيارة الأهم كثيرا منها، زيارة أمير قطر التي جلبت ما جلبت، لكن الرئاسة الفلسطينية لم تتهم الأمير في حينه بما اتهمت به رئيس وزراء ماليزيا، مع انها كانت أكثر خطورة سياسية، بل هي التي تحمل كل ملامح "تعزيز الانقسام"..
البيان الرئاسي الحاد ضد زيارة الماليزي "رزاق" ليس سوى انعكاس لحالة التوتر السياسي الداخلي من الغموض الذي سيطر على المشهد الفلسطيني، خاصة وأن سلوك حماس السياسي لا زال ليس متوافقا مع جوهر التطور السياسي الجوهري فيما يخص "دولة فلسطين" وما تجسده من حقيقة سياسية تبطل مفعول كل ما سبقها من مؤسسات انتقالية، ولعل بيان الرئاسة اراد ارسال رسالة واضحة جدا لقيادة "حماس" ان عليها ان تتوقف كليا عن اي ممارسة سياسية خارجية، حتى قبل تشكيل الحكومة الانتقالية، كما هي رسالة استباقية موجهة للرئيس التونسي المرزوقي الذي يقال أنه سيزور قطاع غزة في الشهر المقبل، وهو توقيت يثير كل مظاهر الريبة والشكوك السياسية أن هناك من لا زال لا يعمل لترتيب "البيت الفلسطيني" وفقا لتفاهمات المصالحة..
وكان تصريح نائب رئيس المجلس التشريعي احمد بحر عن ضرورة حصول الحكومة الانتقالية المتفق أنها برئاسة الرئيس عباس يجب أن تحظى بثقة المجلس قبل مباشرة افعالها، ما اثار غضب رئيس وفد فتح للمصالحة عزام الأحمد، رافضا ذلك باعتبار أن الرئيس منتخبا ولا يحتاج ثقة أخرى، هذه المسالة كانت من اسخن القضايا النقاشية في الفترات السابقة، ففتح لن تقبل عرض الحكومة برئيسها على التشريعي وبعض "حماس" قد تجدها فرصتها لوضع "الكوابح" أمامها، نقطة قد يرى البعض أن بالامكان أن يكون لها حلا، ولكن ما لم يجد حلا واضحا حتى تاريخه وقبل البدء في تنفيذ "تفاهم فتح – حماس" الأخير، كيف يمكن للرئيس محمود عباس أن يدعو المجلس التشريعي للإنعقاد لانتخاب هيئته الرئاسية لمباشرة اعماله الرقابية، كما قال الأحمد.. الا يوجد منطق ملتبس بين هذا الموقف من جسم هو بالاساس من مكونات "السلطة الوطنية" التي لم تعد "واقعا سياسيا" سوى بالمخاطبة مع دولة الكيان، حتى الجمعية البرلمانية الأوروبية اعترفت بـ"دولة فلسطين" ممثلا..
كيف يمكن التوفيق بين مكونات "سلطة وطنية" تلاشت سياسيا بقرار تاريخي وبين ما يفترض ان يكون لترسيخ مؤسسات الدولة اكثر فأكثر.. الضبابية هنا لا تخدم القضية الفلسطينية أبدا، خاصة وأن المعركة السياسية الأهم قادمة مع دولة الكيان بعد الانتخابات، رغم هزيمة نتنياهو وتحالفه بالفوز المريح، بل أنه أكثر الخاسرين، لكن تطورات المشهد قد تعيده ثانية لقيادة واحدة من أكثر حكومات اسرائيل تطرفا وعنصرية وفاشية، وهو ما يستدعي تعزيز اركان وملامح "السيادة الكيانية" من خلال ترسيخ مكانة "دولة فلسطين" ومؤسساتها فوق أرض فلسطين، وليس التمسك بوهم مؤسسات السلطة المتلاشية كي نقول أن هناك اتفاق.. الضبابية هنا خطر على الوطن والدولة – الكيان..
ولذا ليس مقبولا الاستمرار بتجاهل المتغير التاريخي بالاعتراف العالمي بدولة فلسطين ،كي يقال أن هناك تفاهم ومصالحة، تتعرض كل ساعة لهزة أو فعل ينغص مسارها، بل ان القضايا الجوهرية لتحقيقها اصلا تم القفز عليها وأهمها الملف الأمني بكل مكوناته، ودون الانتهاء من الحل الأمني سيكون الواقع القائم هو مصالحة ادارة الانقسام وليس انهاءه وهنا تبقى المصالحة تحت خطر دائم يمكن له أن يحدث في اي لحظة، بضغط مصالح "المنظومة الأمنية"..المصالحة ما لم تكن قائمة على اسس واضحة وصريحة و متينة لا قيمة لها بل لن تكون من اساسه..وقبلها لا يجوز التضحية بـ"النصر التاريخي" من اجل "ربح ضبابي"!
*ملاحظة*
أهم مؤشرات الانتخابات الاسرائيلية هو أن نتنياهو سيزحف راكعا أمام الجميع ليبقى رئيسا للوزراء.. ويبدو أن ضربات أوباما حققت بعضا مما اردات.. يائير لبيد نموذجا!
*تنويه خاص*
الرئيس المحتمل لحركة "حماس" موسى ابو مرزوق هو الاخواني الأول عربيا الذي يمنح جمال عبد الناصر قيمته القومية بقوله أنه الزعيم الوحيد الذي وحّد" المصري والفلسطيني".. اشارة موفقة!
