قولوا عنّي ما شئتم، لكنني سأظل على عكسكم جميعا. تطالبون بتنحية وزير الخارجية، فأدعو الله وادعوكم ان تدعوا الله ، لا ان يستمر في ادارة علاقات الدولة مع الخارج فحسب، بل ان يكثر من امثاله. تنادون باقصاء داني ايالون، فاتمنى له دوام هذه السياسة وما على وزنها، نائبا لسيده الملتحي، "الصاعد" (עולה) من اية ارض "هابطة"، افيغدور ليبرمان.
قد اكون تعلمت هذه الحكمة من احدهم، الذي علم بان فلانا اصيب بالخرف، فلم يعد يهتدي الى باب منزله، ولا يميز بين زوجته وطاولة الزهر. فدعا له ذلك الخبيث بطول العمر! لانه ممن دعت اسمهان بصوتها العذب ديرتها ان تَقصر اللوم عليهم: "يا ديرتي مالك علينا لوم"...
أنتم ربما تعوّلون على النظام العربي و "عيش يا كديش" اما انا، فانني في هذه المرحلة الساداتية المستمرة، على الاقل، ابرئ معظم الزعماء العرب من كل "تهم" النخوة والرجولة والمروءة التي يفرضون على شعوبهم الصاقها بهم!!
تعوّلون على السعودية. أضحكتموني.
في عهد المد الوطني الناصري، وبتأثر به او خشية منه، جعلت هذه المملكة العائمة على بحر من النفط، جعلت الاوروبيين في السبعينيات من القرن الماضي، يرفعون سياراتهم الفارهة المكيفة، على اربعة حجارة من الطوب، ويركبون الدراجات الهوائية، لا تواضعا وتقليدا للصينيين، ولا تنشيطا للدورة الدموية، بل بسبب انقطاع تدفق النفط الى بلادهم المثلجة.
قرر العرب آنذاك حظر تصدير النفط. خدمة للقضية الوطنية والكرامة العربية. يومها كانوا عربا لا قطاريز ونواطير حواكير تين!
أم تعوّلون على اليمن، المنهمك باقامة المهرجانات، بعد ان حقق الجيش اليمني "البطل"، انتصاره المؤزّر (بمساعدات سعودية وامريكية ايضا)، على مدينة صعدة اليمنية! "مرحى لفاتح قرية"
أم على ليبيا (وارجو اعفائي من تدوين اسمها الكامل، المساوي في طوله، ما يلتف به العقيد من اقمشة مزركشة)
ليبيا هذه اتخذت مؤخرا، "موقفا وطنيا" من الدرجة الاولى،
- من اجل فلسطين طبعا!!
- أية فلسطين، وقد حل العقيد قضيتها من زمان! الم يوجِد اسراطين؟! ثم هل ثمة ما هو اغلى من فلذة الكبد؟
ابن العقيد، وهو بالتأكيد عقيد بالوراثة، اتهمته سويسرا المتخلفة، بعمل ما، يعتبر في بلاد الصقيع تلك، عملا غير اخلاقي! وبسبب طيشهم وقلة عقلهم، اعتقلوه وحاولوا محاكمته!
زمجر العقيد وهدر، هدّد وتوعد: تراجعوا ايها السويسريون الباردون عن الخطأ وإلا....
أدرك السويسريون "الخطأ" الذي ارتكبوه، فهرعوا الى الجماهيرية العظمى، حاسري الرؤوس، والمناديل الحمراء في اعناقهم، كما في مراسم صلحاتنا العشائرية المتكاثرة هذه الايام. اذ ان "والا" القذافية هذه، تعني مليارات الدولارات المودعة في بنوكهم. اعتذروا للعقيد، فكان سلام وبقيت الارصدة حيث هي.
حتى الآن لم افش ِ لكم سر تمنياتي لوزير خارجيتنا ونائبه، بطول بقائهما في الخارجية.
ألمسألة تشبه الى حد ما، ما كان سائدا في سلك التعليم العربي ايام زمان.
كان تعيين المديرين والمفتشين في الغالب، يتم بأصابع مخابراتية. وكانت ثقافة الدمى وتسقّط اخبار من يتلفظ باسم عبد الناصر او باسم فلسطين، تكفي لفصل معلم و "ترقية" آخر مديرا او مفتشا. وعليه كان المعلمون الوطنيون يدعون لبعض الزملاء: روح، ان شاالله منشوفك مدير. لذلك تصبح وظيفته ست حصص، بدل ثلاثين حصة اسبوعيا، فيقل بالتالي ما يلحق بالتلاميذ من الضرر.
لنطبق ذلك على حالتنا السياسية. كم من المجازر ارتكبها ساسة اسرائيل، فانبرى للدفاع محامون مهرة، يحوّلون الملح الى عصير اناناس، ويجلعون من الضحايا قتلة ومجرمين، واذا بوجه اسرائيل في العالم، انصع من ثلوج الالب!! فما دامت الجرائم مستمرة، وما دام الزعماء العرب، ليس فقط لا يُشعلون نار الاحتجاج، بل لا يدخّنون لا من فوق ولا من تحت، فلماذا لا نصلي لكي تستمر خلاطة الباطون الليبرمانية الايالونية في سحق سيارة بيرس الخضراء الناعمة، التي فعل سائقها ما فعل في قانا، ثم تجلى للعالم (ولنا ايضا) قديسا معذبا، واشد شغفا بالسلام والخير من غاندي والام تريزا؟! بل لماذا نذهب بعيدا الى لبنان؟ ألم يسقط ثلاثة من خيرة ابناء سخنين في عهده، ثم كنا نحن المشاغبين!
ما احوجنا الى اكثر من ليبرمان واكثر من ايالون. فدعوا هذا الدب الروسي الهائج لا يترك في متاجر اوروبا آنية زجاجية واحدة دون تهشيم، ودعوه يتهكم على الصحافيين الاوروبيين الغاضبين من استغلال جوازاتهم الوطنية في اغتيال محمود المبحوح في دبي، قائلا: "انكم تكثرون من مشاهدة "افلام جيمس بوند"!
أم تراكم تعوّلون على دبي؟ معكم حق.
فمدير شرطة الامارة النشيط ضاحي خلفان، لم يأل جهدا في عرض الحقائق والوثائق بالصوت والصورة والزمان والمكان. يظهر على الشاشة بصورة شبه يومية علنا، وبلا باروكة، ويحاول جاهدا دمغ المجرم الحقيقي (لا الفلسطينيَيْن الخائبَين الخائنَيْن)، بل الموساد الاسرائيلي. وكأني بكم تتوقعون ان تروا في نهاية الفيلم (العربي او الهندي) هذا، كبار رجال الامن الاسرائيليين يساقون الى المحاكم، ويزج بهم في غياهب السجون حتى يتخّوا!
وانا اراهنكم منذ الآن، ان شيئا من هذا لن يحدث. واكاد اجزم بان العكس تماما هو الذي سوف يحدث. سوف يقوم "المعلم" معلم الطرفين كليهما، بلملمة جميع الوثائق والصور والاقراص المدمجة على قسوتها، يلفها جيدا رزمة واحدة، ويحشوها في قفا بطل دبي الاعلامي!
سوف يجمع التلميذين المتخاصمين، يقبض على شحمتي اذنيهما، يشدهما قائلا لهما: إلعبوا سوا ولا تعيدوها!
وعندها ستصبّ الإمارة جام سخطها، لا على اسرائيل، بل على ذلك المبحوح الذي بحّ صوت ضاحي خلفان بسببه. سيثبت لهم ان المبحوح "ارهابي"! هيك وهيك إلو! لقد كاد يورّطنا!!
**تنقير
ما اكثر ما يفعله قراء الصحف؟
تجاهل المقالات الطويلة.
