باراك يعترف بحقيقته

single

*وينتسب رسميا لليمين المتشدد!

*ربما يكون الانشقاق فرصة لمن تبقى في حزب "العمل" للململة الحزب والحفاظ على هيكليته في انتظار فرصة انتعاش مستقبلية

حين وقف وزير الحرب إيهود باراك امام ثلة الصحفيين في إحدى قاعات الكنيست، أمس الإثنين، كانت في جعبته اكثر من رسالة، ففي طيات خطابه مرت عبارتان لم يتوقف عندهما أحد، فقد اشتكى من أن حزب "العمل" "انحرف نحو اليسار"، وحتى أنه بات في ما يسمى بـ "البوست صهيونية"، أي ما بعد الصهيونية، وقال إنه يريد العودة إلى تقاليد حزب "المباي"، وهو الاسم الأسبق لحزب "العمل"، حين قاد الحكم بشكل شبه انفرادي في أول 29 عاما منذ اقامة إسرائيل.
وحينما يدعي باراك انحراف حزبه نحو اليسار، و"البوست صهيونية"، فهو يوضح رفضه لهذه التوجهات، ولكن حينما يقول إنه يريد العودة إلى تقاليد حزب "المباي"، فهو يقصد تلك الفترة التي قاد فيها جميع الحروب الاحتلالية والمركزية في العقود الثلاثة الاولى لإسرائيل، وهنا يوضح باراك هويته السياسية، أكثر من ذي قبل، بعد أن جاهد كثيرا للتستر على حقيقة هذه المواقف على مدى 15 عاما.
حينما خلع قائد أركان الحرب إيهود باراك، بزته العسكرية في منتصف العام 2005، كان قد أدرك أن مسار أوسلو الذي خاضه يتسحاق رابين، قد يوصل إسرائيل إلى وضعية تتعارض كليا مع رؤية المؤسسة العسكرية الأمنية، ووضع لنفسه هدفا بالتسلل إلى من بدى وكأنه الحزب الأقوى في تلك المرحلة "العمل" لينسف تلك الأجندة السياسية، ونجح بذلك حينما وصل إلى رئاسة الحزب في العام 1997، ومنها إلى رئاسة الحكومة في العام 1999.
ففي تلك الولاية التي لم تستمر لأكثر من 20 شهرا، خاض باراك مسارين تفاوضيين، كان الأول من الناحية الزمنية أمام سورية في شيبردستاون، والثاني أمام الرئيس الراحل ياسر عرفات، في كامب ديفيد. وكانت نتيجة تلك المفاوضات تفجيرها، لينتقل من منهما إلى الانفجار الأكبر وليطلق مقولته الشهيرة "لا يوجد شريك"، وليسلم الحكم إلى أريئيل شارون، ولا مجال للتوسع في التفاصيل.
لقد غاب باراك عن المسرح السياسي قرابة ستة اشهر، ورغم انشغاله في المشاريع الاقتصادية، إلا انه استغل الفرصة ليعبر كثيرا عن مواقفه اليمينية المتماثلة مع رئيس الحكومة الأسبق أريئيل شارون.
وكما يبدو فإن باراك، وحينما قرر العودة إلى الحلبة السياسية، تخوف من أن الأجندة العسكرية الأمنية قد تتقلى ضربة، في عهد حكومة "كديما"، وحينما عاد إلى المقعد الذي ينظر تجاهه بمسؤولية كاملة، مقعد وزير الحرب، بذل كل جهد لتدمير المسار التفاوضي بين رئيس الحكومة السابق إيهود أولمرت، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولنعد إلى المشاريع الاستيطانية التي كانت تظهر بكثافة في تلك الفترة، ولنعرف دور باراك في تلك المشاريع، خاصة تلك التي كانت غربي جدار الفصل العنصري.
اليوم يتخلص باراك كليا من حزب "العمل"، بعد أن وجه له ثالث ضربة تدميرية، الأولى بعد أن أسقطه عن الحكم في العام 2001، والثاني في انتخابات العام 2009، والثالثة اليوم. وكلمات باراك السابق ذكرها هنا بالنسبة لحزب "مباي"، هي طلب انتساب إلى معسكر اليمين المتشدد، الذي كان يرتكز حتى صباح أمس، على 65 مقعدا، واليوم باتوا 70 مقعدا، اضافة إلى الاحتياط من عدد من نواب حزب "كديما".

*فرصة حزب "العمل"*

هناك انطباع عام بأن انشقاق باراك عن حزب "العمل" ثبّت حكومة بنيامين نتنياهو، إلى درجة أن تكون الحكومة الأولى منذ العام 1988، التي تنهي ولايتها القانونية. فالحكومة الحالية بعد الانشقاق لن تكون محرجة بانضمام كتلة "هئيحود هليئومي" ومندوب كهانا فيها، لتصبح حكومة من 70 عضوا، أو أن يواصل نتنياهو تحركاته من اجل شق حزب "كديما" ليزيد قاعدة ائتلافه، ولكن هذا سيناريو من السابق لأوانه الحديث عنه.
ومن جهة أخرى، فحين تبحث عن الانعكاسات السلبية على حزب "العمل" من انشقاق باراك، فإنك ستكون امام مهمة صعبة، على العكس تماما، فهذا الانشقاق قد يكون خطوة تعود بالنفع على الحزب، وهذا لأن كل حسابات الربح والخسارة بالنسبة لحزب "العمل" ليس بناء على مقياس 13 مقعدا، بل بناء على ما تتوقعه استطلاعات الرأي منذ نحو عام ونصف العام، بأن يحصل الحزب في اي انتخابات مقبلة على ما بين 6 إلى 8 مقاعد.
هذا الانشقاق قد يجعل حجم خسارة الحزب لمقاعده اقل، ولكن هذا أمر منوط بعدة شروط، وعلى رأسها تماسك الكتلة الباقية، واستغلال الوضع الناشئ لتظهر ببرنامج سياسي واضح المعالم، هذا البرنامج الذي غيبه باراك عن الحزب على مدى 13 عاما.
هناك عدة سيناريوهات أمام حزب "العمل"، بداية، فمن الصعب الحكم على مستقبل الرئاسة، واحتمال ان تتلخص المنافسة بين أفيشاي برافرمان ويتسحاق هيرتسوغ، يبقى ضعفيا، ولكن في معادلة كهذه، فإن هيرتسوغ هو صاحب الحظ الأوفر، وقد يكون مدعوما اكثر من القواعد المتبقية في الحزب.
كذلك يجب الانتظار لمساع صوت رئيس الهستدروت عوفر عيني، الذي بقي صامتا طيلة يوم امس الإثنين، وإن استمر بصمته فهذا قد يعزز ما يروى عنه، بأنه في طريقه للاستقالة من الهستدروت والاتجاه إلى القطب الآخر للقطاع الخاص، كما هناك ضرورة لمساعي بقية أعضاء الكنيست من كتلة "العمل".
والسؤال الذي يُطرح: ماذا عن الشخصيات التي خرجت من الحزب مع السنين على خلفية سياسية، مثل اوفير بينيس، وابراهام بروغ، وغيرهما.
في ملخص القول: أولا، إن المصير النهائي لحزب "العمل" سيتحدد خلال اسابيع، فخطواته الاولى بعد الانشقاق ستحدد طبيعة تحركاته المستقبلية.
وثانيا: فإننا منذ امس، امام توزيعة برلمانية جديدة، تعزز معسكر اليمين المتشدد، وهذا ما سينعكس كليا على مستقبل العملية التفاوضية اكثر من ذي قبل، فحركة قلم باراك على المخططات الاستيطانية ستكون أسرع من ذي قبل، ومن دون اية قيود.

قد يهمّكم أيضا..
featured

في ذكرى ميلادي الثانية عشرة: رسالة الى أبي (رحمه الله)

featured

مساعي السلام من أجل الحرب القادمة؟!

featured

معركة" اول ايار 1958 - الصمود والاصرار على العيش الكريم والثبات في الوطن

featured

الترجمة والهيمنة

featured

نحو الأول من أيار

featured

العرب المسيحيون في الخلافة الاسلامية

featured

شفاعمرو فوق الجميع

featured

كـأننا يا بدرُ لا رُحنا ولا جينا