لم يستطع تحديد الدافع الذي حمله على السفر، خامرته رغبة جامحة فوجد نفسه يصعد الى الحافلة، معه أوراقه الثبوتية، تحركت الحافلة صبيحة ذلك اليوم .كان الجو شتويا، باردا، غيوم رمادية متلبدة في السماء، قطرات من الرذاذ تتساقط والضباب الكثيف يحجب الرؤية،والهواء المتسرب من شقوق نافذة الحافلة بارد ورطب يلسع الجسم بقوة،اقترح المهندس الكبير على موكب المسافرين اختيار امير للمسافرين كما تقضي العادة،فوقع الاختيار على الشيخ حمدان الذي انتحل لقب شيخ انتحالا،رصيده من بحر العلم والدين، انه التحى بلحية كثيفة، ويقيم الصلاة،الخمس صلوات في المسجد جماعة وراء الإمام، كان عليه ان يقرأ دعاء السفر فاخرج من جيب معطفه كتيبا وراح يقرأ على المسافرين الدعاء، فنصب الفاعل،ورفع المفعول به،وجر الكلمات جرا كما يجر وراءه حملا ثقيلا فتهامز المسافرون وتلامزوا،انتهى من قراءة الدعاء، ففاضوا عليه بالثناء والشكر الجزيل، غلى الدم في عروقه كالماء في المرجل.
كانت نظراته تخترق زجاج النافذة، يرى الغيوم المتلبدة بالسماء والضباب الأبيض الكثيف، أرسلت الشمس لفترة وجيزة اشعتها الذهبية، المنبعثة من وراء الجبال لتصنع قوس قزح جميل يتناغم مع الضباب الأبيض، في حين غرق بالاحاسيس والهواجس التي كانت تتقافز في ذهنه وتحلّق في سماء تفكيره وعندما اقتربت الحافلة لاجتياز الحدود السعودية ارض الحجاز اخذت تجيش في ذهنه أفكار وردية جميلة، شعر بالغبطة والحبور والانتشاء، اجتازت الحافلة الحدود ودخلت الأرض الحجازية - السعودية في تمام الساعة السابعة مساء لتحط رحالها في مركز تنظيم تأشيرات الدخول والسفر ارتفع منسوب حبورة، وتفاعل في طياته فازداد انتشاؤه لدخوله ارض منبع ومهد الحضارة العربية والإسلامية وتاريخ الجزيرة العربية وعصرالجاهلية حتى جاء الإسلام الذي نقلها من الظلمات الى النور. اصطفت الحافلة وراء بعض الحافلات التي تقل المعتمرين –المبتهجين والفرحين . مرت الساعات وطال الانتظار، كانت وتيرة العمل في المركز بطيئة جدا وبلا اكتراث للبرد الذي يلسع المسافرين بلا رحمة .
ادلهمّ الليل وارخى سدوله والمسافرون ينتظرون بفارغ الصبر يتبرمون أحيانا ويتساءلون أحيانا أخرى . اشارت الساعة بعقاربها التي كانت تتراكض بلا هوادة،الى الثانية عشرة من منتصف الليل عيل صبره كما عيل صبر الآخرين . ترجل (الفارس) واندفع، وتقدم نحو رجال الشرطة ذوي القامات الطويلة، نحفاء الجسم،سمر البشرة يعتمرون الكوفيات الزرقاء، مدججين بالسلاح والسياط . ليرفع رجاءه لهم بالإسراع في انهاء الإجراءات والاخذ بعين الاعتبار العجزة والضعفاء والشيوخ و البرد القارس، وفي هدأة الليل البارد، هوت عليه ضربة سوط من الحارس تملكته من رأسه حتى اخمص قدميه ودفعه بغلظة وقذفه بشتيمة، فعاد ادراجه مثخنا مكسوفا فجلس يلملم آلامه ويتحسس جنباته ويمسح دمه عن جبينه وخياشيمه اغمض عينيه وغاص في تفكير عميق، ينفث الزفرات ويطلق التنهيدات.
تحركت القافلة وغادرت المكان بعد انقضاء ليلة كاملة تحت قبة السماء لتشق طريقها نحو المدينة المنورة،صبيحة اليوم التالي كانت الأرض خضراء جميلة، وكروم العنب تملأ المساحات الشائعة والآلات الزراعية تشق الأرض، تجوب في المنطقة تسرح وتمرح.
وبعد ان قطعت الحافلة المسافات الطويلة وانقضاء الساعات من السفر المضني تغير الجو وتغيرت المناظر الطبيعية من خضراء جميلة الى ارض يباب قاحلة رملية داكنة اللون . فأضحى الجو حارا وقائظا وجبال شاهقة تتراءى للناظر،جرداء خضراء وعلى الأرض نتوءات صخرية مثيرة للدهشة بأشكال مختلقة يخالها الناظر اشجارا او نصبا تذكارية اوتماثيل .
توقفت الحافلة في الطريق في مكان أُعد للاحرام، فاحرم الجميع وتجلببوا بجلباب الاحرام الأبيض .
وفي ليل دامس استأنفت الحافلة سيرها حتى حطت رحالها في صبيحة اليوم التالي في المدينة المنورة عمارات شاهقة وشوارع نظيفة جميلة واشجار نخيل خضراء باسقة منتشرة بكثرة.
انطلق خياله، وارخى له العنان، وراح يتذكر التاريخ القديم، وهو يمتّع نظره بأشجار النخيل فتناهى لسمعه صدى أصوات قبيلتي الأوس والخزرج- والانصار-والمهاجرين ويهود خيبر وانبثقت من ذهنه صورة سلمان الفارسي بصحبة الرسول (ص) يخططان لحفر الخندق حول المدينة حماية وتحصينا من عائلة أهل قريش.
حان وقت الصلاة ظهرا فدخل المسجد النبوي الشريف ثاني الحرمين بشعور من الرهبة والخشوع، وراح قلبه ينبض بها وتجددت في داخله الأحاسيس والتصورات وتخيل وهو داخل للمسجد ان الملائكة، التي ناصرت الرسول في معركة بدر تحوم في سماء ورحاب المسجد، احتراما واجلالا للرسول الكريم كيف لا وهو خير الأنبياء والرسل الاولين والآخرين.
كانت الفرصة سانحة لزيارة قبر الرسول (ص) لقراءة الفاتحة على روحه الطاهرة اصطف في صف الزائرين . فوقف عند تفاعل الزمن من الماضي السحيق والماضي القريب وحضرته ذاكرته للحظات فانبجس من مخزون الذاكرة صورة وهو يقف في صف الزائرين امام ضريح لينين في موسكو فقال في سره، والهواجس تتفاعل في داخله نقيضان في الايديولوجية. متماهيان في المبدأ كلاهما كانا ًامميان لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى ثم ان اكرمكم عند الله أتقاكم وكانا نصرة الفقراء والمساكين والمسحوقين وفي اقامته في المدينة استغل الوقت بالصلاة واحسن استغلاله على احسن وجه فالركعة تساوي مئات آلاف الحسنات في الحرم النبوي.
استأنفت الحافلة سيرها في الأرض اليباب صبيحة اليوم التالي تخوض ثانية الصحراء بأرضها القاحلة وجوها الحار والتضاريس الطبيعية الصحراوية ونسمات ساخنة تهب تفوح منها رائحة الصحراء بجفافها وقسوتها واصلت الحافلة سيرها تقطع المسافات الطويلة حتى انبلج الفجر وحل الصباح فحطت الحافلة برحالها داخل مكة.
عادت افكاره تتزاحم من جديد ليفيض مخزون الذكريات مما تعلمه وحفظه من دروس التاريخ والادب، وفي جولة في المدينة وقف على اطلال سوق عكاظ منتدى الشعر والخطابة واستذكر الشعراء والخطباء واستذكر قس بن ساعدة الايادي، وهو القائل: أيها الناس، اسمعوا وعوا فإذا وعيتم فانتفعوا انه من عاش مات، ومن مات فات وان كل ما هو آت آت... واستذكر المتلمس بن أمية الكناني هو أمية بن عبد الله السلط وعمرو بن معدي كرب وزهير بن أبي سلمى وهو القائل:
ومهما تكن عند امرئ من نقيصة ولو خالها تخفى عن الناس تعلم
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أبواب السماء بسلّم
ثم عرج على جبل احد فانبثقت من ذاكرته حكاية ابي لهب وابي جهل وتخيل خالد بن الوليد وهو يستل سيفه ليصول به ويجول يحارب الرسول، ويقاتل المسلمين واستذكر حمزة عم الرسول مجندلا في ارض المعركة، وهند زوجة ابي سفيان تهرع، وتنتزع كبده وتلتهمه لتطفئ لهيب غيظها ونار حقدها. وسعير ثأرها من معركة بدر التي خسرفيها أبو سفيان ماله ورجاله.
وفي ضحى ذلك اليوم دخل ساحة المسجد الحرام الرحبة، فسارع إلى بئر زمزم نهل منها بتلهف حتى ارتوى. ليحقق بعضا من أمنياته، ثم راح يطوف حول الكعبة وكان الزائرون يتدافعون، ويتزاحمون للوصول إليها وتقبيلها فاستذكر قول عمر بن الخطاب بما يخص الكعبة، حين قال يخاطبها: (انك حجر لا تنفع ولا تضر والله لولا رأيت محمدًا قد قبلك لما فعلت) فقال: في نفسه لم اقبلها مسترشدًا بكلمات عمر بن الخطاب.
ثم دخل الصفا والمروة وهرول هناك ما بين الصفا والمروة تيمنًا بهاجر التي كانت تركض بين الصفا والمروة تبحث عن ماء لتسقي وليدها حتى انفجر لها بئر زمزم .
دخل المسجد الحرام أول الحرمين وثاني القبلتين فتهافت مع المصلين على الاكثار من الصلاة وفي غير موعدها فالركعة هنا تفوق بعدد الحسنات مما في المسجد النبوي، والدقيقة في المسجد الحرام مئه الف حسنة شعوره بالقدسية والرهبة والخشوع فاق شعوره في المسجد النبوي بهاء المسجد وجماله الأخاذ من أعمدة المرمر والرخام بألوانه المختلفة شعر بهياج في داخله سرى شعاعه في عروقه ليستقر في رأسه فمارس صلاته بشغف ونهم ثم انتحى وَركن في رُكنٍ من المسجد واخذ يصوخ السمع لفضيلة الامام العلامة بصوته العذب حذق الكلام لذق اللسان فصيح البيان. راح يقدم موعظة في التوبة والغفران وفي موعظة عن التوبة ودخول الجنّة، قال الشيخ العلامة ان امرأة وجدت قطة ضعيفة كادت تنفق فأحتضنتها، واطعمتها، واسقتها فعادت القطة إلى كامل صحتها فوصل الخبر إلى الرسول (ص) فقال مثواها الجنة ثم استطرد فضيلة الشيخ العلامة فقال ان امرأة زانية حملت اثناء ممارستها الزنى فولدت لها وليدًا فقتلته، وبعد ان قتلته ندمت وتابت بكت ولطمت على وجهها ومعطت شعرها ندمًا، فالتقت مع ابي هريرة، فسألها ما الامر فحكت له ما حدث لها وسألته عن مصيرها فأفتى لها ان مثواها النار، فذهب إلى رسول الله وقص عليه حكاية المرأة فأستدعاها أبو هريرة لمقابلة الرسول (ص) لما رأى أنها تابت وندمت فأبلغها ان مثواها الجنة. فانفرجت أساريرها وفرحت وقال رسول الله (ص) ان الله تواب يحب التائبين وهو غفور رحيم وانهى الموعظة ببلاغ هام من حج البيت او اعتمر فيرجع كمن ولدته امه نقيًا، من الذنوب تناول سبحته وظل يسبح بحمد الله والاسماء الحسنى فأخذته سنة، وغشيته غفوة وجد نفسه في الجنّة (عند العين الجارية وسرر مرفوعة، واكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة) من القرآن الكريم سورة الغاشية، ثم وجد نفسه يتنقل بين أشجار النخيل والاعناب وشاهد الكواعب اترابا وشرب من ماء الكوثر وهو يتنقل نظر إلى الخارج فشاهد اعدادًا من الناس يتحرقون فيها ينادون اهل الجنّة منوا علينا بالماء والطعام.
(ونادى أصحاب النار أصحاب الجنّة ان افيضوا علينا بالماء او مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمها على الكافرين ) قرآن كريم سورة الأعراف آية 49 .
استفاق من غفوته مضطربًا مرتبكًا استغفر ربّه واستعاذه وحوقل ونهض غادر المسجد وتسارعت في ذهنه أفكار واخذ يتخبط ويردد ما قاله فضيلة الشيخ علامة من حج البيت او اعتمر رجع كما ولدته امه وحكاية الزانية القاتلة التائبه ومثواها الجنة. والرفق بالقطة يؤدي إلى الجنة.
عاد إلى الغرفة يرتعش مضطربًا وفي ذهول وبعد ان جلس عادت الأفكار تتقافز في ذهنه من جديد فاستنتج أن الله فضله على شيخ القرية وإمامها وعرض استنتاجه على صحبه ومرافقيه. فاستاءوا وامتعضوا مما سمعوه فقال: قال تعالى في كتابه العزيز (انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) الله سبحانه وتعالى من على الشيخ بالهدى وهو في جيل عشرين عامًا. ومنذ ذلك الحين وهو يؤدي الصلاة في أوقاتها ويؤدي كل فرائض الإسلام.
أما أنا فان الله سبحانه وتعالى منّ عليه بالهدى وانا في جيل الخمسين. فان الله أمهلني ثلاثين سنة. جالست فيها الحسناوات- وقارعت الخمرة ولعبت الميسر والازلام والآن اعتمرت يعني رجعت كما ولدتني امّي مثلي مثل الشيخ هو وانا الآن في نفس المستوى واذا ما توفانا الله سبحانه وتعالى فمثوانا الجنَة انا امهلني ثلاثين سنة الا يعني ان الله فضلني واعطاني ان أعيش واعبث في الحياة الدنيا حتى شاء وهداني.
عادت الحافلة في صبيحة ذلك اليوم قضينا مدة حتى حطت رحالها في القرية.
كان الجو ماطرًا وباردًا دخل الشيخ عليه مبتسمًا وقد بلل المطر عمامته وملابسه وبعد ان بارك له بالعمرة بادره وقال: لقد وصلني ما افصحت به للمعتمرين. فقال: ما رأيك يا شيخ بهذا الاستنتاج قال: فكرت به. وما ادراك انه جدير بالتفكير وان الله على كل شيء قدير وهو غفور رحيم.
