حلوة الحلوين

single
سعدة الجريس (ام الياس) من الناس الذين تستريح لهم وتجد المتعة في مجالستهم والحديث معهم. حملت هموم الدنيا ونوائبها في سن مبكرة، فقدت والديها في حادث طرق مروع على طريق مدينة نهاريا عندما كان عمرها ست عشرة سنة. وبصفتها بكرية والديها كان عليها تربية واعالة اخويها الصغيران فراس وايناس. والحقيقة انها كانت قد "العزا واهله"، كانت تزرع ثلاث حواكير بالدخان، وقبل بزوغ الفجر في ظلمة الليل كانت تقطف الدخان، وفي النهار كنا نحن الاولاد نساعدها في شك الدخان وهي تغدق علينا بكرمها من الحلويات، سمسمية وهريسة واصابع زينب وعشرة قروش آخر اليوم، وتطربنا بأغانيها الشعبية وصوتها الحنون الشيمي وبحكاياتها عن الغولة و"نص مصيص" والشاطر حسن وعلي بابا والسندباد البحري. اذكر في احد الايام ونحن نشك الدخان في دارها سأل اخوها فراس، وكان قردا اشمطاوكثير وقشة، سأل عدنان السحماتي "انت مسلم او مسيحي" فهبت ام الياس توبخه "هو يا حمار مثلك عربي فلسطيني ومحمد والمسيح انبياء لجمعينا"! وعندما ضربت الحكومة المهتوكة وقضت على زراعة الدخان العربية شمرت سعدة الجريس عن سواعدها ونزلت الى سوق العمل والشرف في احد متنزهات المنطقة كطباخة. وبكدها وعرق جبينها علمت وزوجت اخويها. ولم تنتبه الى نفسها، فحد الله كان بينها وبين شلبنة الصبايا من حومرة وبودرة وكحل العيون، تخطت الخامسة والاربعين من عمرها ولم تتزوج رغم كثرة الخطاب، فهي لم تكن قاطعة الوصفة بجمالها بل جمالها متزن، سمارها قمحاوي بلون تراب حاكورتها، مربوعة القد وعيونها سوداء نجلاء. واعتقدت نساء ورجال الثرثرة والنميمة ان القطار فات سعدة واصبحت في تعداد قائمة العوانس. وثبت ان من يسير في الطريق القويم بعيدا عن الطريق العوجة لا يعتبر ولا مفر من بسمة تتراقص بها شفتيه. وابن الحلال وجد نصفه الثاني بابنة الحلال، وتزوجت سعدة من ابراهيم الجريس الذي يكبرها بعشر سنوات، وخلفت وحيدتها "حلوة"، حلوة الحلوين بجمالها الخلاب وسمرتها الفاتحة. وغدر الدهر بام الياس بفقدان زوجها وموته بالسكتة القلبية بعد ولادة حلوة الحلوين بسنتين. وحلفت ام الياس في وداع زوجها القسم الوطني ان تنذر حياتها الباقية في تربية ابنتها وفي سد الفراغ الذي خلفه زوجها الاحمر بالمسؤولية كرئيس لجنة اغاثة الشعب العربي الفلسطيني المنكوب بسرطان الاحتلال الاستيطاني الاسرائيلي. وبرعاية امها شبت حلوة الحلوين صبية متميزة تجمع في شخصها الشلبنة والجمال مع الذكاء ودرجة الوعي السياسي والاجتماعي العالي. وحامت الدبابير حولها تطلب ودها، ومن كانت تصده بأدب ينطلق في بث الاشاعات الكاذبة عنها، وكانت تتبع المثل "داروا سفهاءكم"، وخافت سعدة على ابنتها من قطار الزمن، وحلوة الحلوين تؤكد لامها انها لن تتزوج الا بمن تقتنع انها تنسجم معه فكريا واجتماعيا، "فمن غير المعقول يا ست الحبايب ان ابنة الوطني الاحمر تقع في فخ مدجن صهيوني وعميل مرذول او غبي وتتزوجه" كانت تردد حلوة دائما كلما الحت امها عليها بالسؤال. وبدون طول سيرة ابتسم المصير لحلوة الحلوين فقد وجد الشاب العامل جمال الخالد خالقه وتزوج حلوة الحلوين. وكم حاول عديمو الضمير والاخلاق صب العكر في الزيت الصافي وتحريض جمال بعدم الزواج من حلوة الحلوين بادعاء انها ابنة عائلة فقيرة معدمة وهو ابن عائلة الحسب والنسب، وكان جمال يبصق في وجه اخوان الشياطين ويردد "حلوة الحلوين كنز بشري لا يفنى بذكائها وبحرصها على كرامتها الوطنية الهوية الاصيلة لحسبها ونسبها"! ومن يرى كيف يبني جمال وحلوة حياتهما بالتعاون كتفا بكتف في استلال رغيف الخبز من العمل الشريف في دكانهم الصغير يتمنى ان يكون هذا هو النموذج الذي يحتذى لجميع ابناء وبنات شعبنا، ما في احلى وأصح من التوافق القائم على الانسجام الفكري والاجتماعي.
قد يهمّكم أيضا..
featured

أمريكا؛ معيار التمييز اجتماعي

featured

خطر الحرب الاقليمي يتنامى

featured

لا "أتعس "ولا "أتيس" من أطياس إلا كاتس.. والأرض "بتتكلم عربي"..الارض الارض..

featured

ملاحظات على هامش زيارة ليبيا (2)

featured

مشكلات الهيمنة والشرعية في الحركة السياسية الفلسطينية

featured

الاستفتاء المصري .. عرس ديمقراطي

featured

الكهرباء. ضربة جديدة!

featured

الخلود ليوم الأرض ولكرامة الأرض