ملاحظات على هامش زيارة ليبيا (2)

single

تباينت التقارير الصحفية التي نشرت أخبار زيارة الوفد العربي إلى ليبيا، حتى خيل لقارئها أن الحديث يجري عن زيارات مختلفة. إيقاعات تلك التقارير وما عكسته من مشاهد كانت طبيعية ومبررة، ففي النهاية النص، كل نص، يعكس ويعبر عن وجهة نظر كاتبه واجتهاده الخاص. لا غضاضة في ذلك ولا تجنٍّ إن اعتمد الكاتب ما شاهده من وقائع، فيجوز التعبير عنها بأسلوب يكون أحياناً تراجيدياً أو ساخراً أو عبثياً أو تقريرياً فهذه هي طبيعة الإبداع.
باعتقادي، تفاصيل المشاحنات الداخلية تبقى هامشية، ولا أبالغ إن قلت أنها متوقعة وطبيعية، ففي غياب إجماع على ما يتوقعه كل مركب مشارك في الوفد من هذه الزيارة، وقصور غيّب إمكانية التوافق حول من سيتكلم وعن ماذا سيتكلم، انعكس ضعف الأداء الجماعي للمشاركين، أول ما انعكس، أمام المضيفين، ومن ثم أدى ذلك إلى تباين اجتهادات من وثق وكتب.
مرة أخرى لا شأن لليبيا بذلك، ولا دخل لحقيقة إصرار سفيرها على أن الدعوة هي دعوة شخصية لكل مشارك، فقد كان بمقدور المدعوين التفوق على ذواتهم والاجتماع في عمان، على سبيل المثال، لوضع بعض النقاط على الحروف ومحاولة ترتيب البيت داخلياً وهذا لم يحصل.
لم تكن هنالك مبادرة لتحقيق ذلك، ففي حين صرحت جميع الأحزاب والمجموعات المشاركة أنها تقدم لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية كعنوان جامع وواجهة للوفد، جاءت ممارسات جميعهم لتضمن بروز أحزابهم وممثليهم  فأمست لجنة المتابعة يافطة لم تجد بيتاً تعلق عليه.
ما جرى في عمان وليبيا يعيدنا إلى ما يدور من نقاش يتعلق بلجنة المتابعة، وما تمثله، حقيقة، وما هو الدور المنوط بها. في هذه الزيارة بانَ ضعف هذه المؤسسة في مستويين أساسيين. الأول، يتمثل بدور رئيسها السيد محمد زيدان، الذي ما زال، على ما يبدو، يدفع ثمن كونه رئيساً توافقياً، عليه أن يرضي جميع مركبات اللجنة، فيأتي الرضا على حساب الجوهر والحسم في أمور من شأنها أن تزوِّد اللجنة بثقل ودور لم يتحققا بعد. الثاني، وهو الأهم، يتعلق بنوايا مركبات هذه اللجنة، تلك المعلنة والأخرى المخفية. يخيَّلُ لي أن بعضهم معني بإبقاء اللجنة ضعيفة ليضمن أكبر قسط من التأثير فيها وعليها، وغايته من هذا تمثيل أجندته الخاصة. في هذه الحالة اللجنة هي بمثابة إطار حام له ولحزبه يتظلل فيها وينتعش هو ولا يأبه بالآخرين.
لو أرادوا لاحتسبوا اللجنة كشجرة سنديان عامرة، جذورها تلك الجماهير العربية الواسعة، جذعها أغصانها وأوراقها هم من يجتمع ويقرر من خلالها باسم هذه الجماهير، لكنني أخشى أن البعض يحولها إلى قطعة أثاث جميلة وهم يحتمون ويعتاشون عليها وفي دهاليزها.
ولأن اللجنة ظهرت بعريها، طفت المشاحنات والتسابق على أدوار البطولة. هنا عليَّ أن لا أوافق مع من كتب وسجَّل اتهاماً بحق بعض المشاركين في الوفد، وخاصة النائب أحمد الطيبي، ولا من مع ادعى وتحالى أن نكوصه وانزواءه كان لتعفّفٍ من خوض هذا التنافس الهابط. كلهم حاولوا التصدر والاستئثار على أبوة الوفد ومجريات الأحداث، لكن لبعضهم لم يتحقق ذلك لأسباب يعرفها جيداً من شارك وشاهد وسمع. تراجع دور هؤلاء كان بمثابة "قصر ذيل" ولا يمت لعفة أو إفراط بمسؤولية. أما بروز دور النائب الطيبي تحديداً وغيره من زملائه فكان نتاج قراءة صحيحة لطبيعة الزيارة وما تخللها من تداعيات، هذا علاوة على فهمه الواضح، حتى وإن اختلف من اختلف معه، لطبيعة عمل البرلماني في عصرنا هذا ودور البرلماني في ساحة السياسة التي لا تختلف كثيراً عن حلبات المصارعة الحرة أو المبرمجة. نشاطه يحسب له، لا عليه.
إشكالية المتابعة ودورها قضية هامة، وهنالك ضرورة لبحثها بجدية وبحق ومسؤولية وجرأة ومكاشفة، أما تعليق ضعفها أو إضعافها في رقبة مشارك وحيد في الوفد فهو أمر يجافي الحقيقة ويؤدي إلى تشخيص خاطئ للداء، وتفاقمه بدل علاجه.
شعار الزيارة المعلن والوحيد كان التواصل. تواصل الجماهير العربية في إسرائيل مع عمقها العربي. وكما قلت كان من الممكن اختزال الزيارة تحت هذا العنوان فتجييرها لمآرب حزبية ضيقة يستجلب النقد ويوهن مبرراتها.
نحن كأقلية قومية نعاني ما نعانيه في إسرائيل وعانينا ما عانيناه من أمتنا/عمقنا، بحاجة إلى تثبيت عملية التواصل هذه ولو من باب تعزيز هويتنا العربية اللاحمة لوجودنا الجمعي كأقلية تتجاذبها الأنواء من كل حدب وصوب. مع هذا لا أراني أصرف هذا الشعار بذات العملة التي يصرفها غيري من المشاركين أو الغائبين عن الزيارة. في جميع الأحوال قناعتي الذاتية، التي تعززت بعد هذه الزيارة، هي وجوب بناء إستراتيجية واضحة، عنوانها هو جماهيرنا العربية في إسرائيل وبرامج نضالها، تستهدف هذه الجماهير علاوة على المجتمع اليهودي الإسرائيلي. لا أرى معنى وفائدة تتجاوز ما ذكرته من أهمية لهذا التواصل، إلا إذا أضفنا ما يمكن أن يتوفر من معونات ومساعدات أتمنى أن تتعدى دكاكين الأحزاب والجماعات وأن يكون خيرها على مجموع مجتمعنا على غرار ما حصل من دعم قطري لبناء إستاد الدوحة. هنا وبملاحظة عابرة لأولئك الملوِّمين والمذكرين بما فعلته ليبيا بإخواننا الفلسطينيين أقول: كفاكم رياءً وديماغوغية، فما فعلته ليبيا هو قطرة في بحر ما فعلته أنظمة أخرى أعتبر التواصل معها نصراً ومن نسي فليعد بالذاكرة إلى أيام تل الزعتر وغيرها.
أخيراً لم يتسنَّ لبعض من طلب منهم الحديث أن يتحدثوا، والسبب الرئيسي لذلك هو عدم التزام الخطباء المتحدثين قبلهم بما حدد لهم من وقت فتجاوزهم منع آخرين ولا بأس في ذلك، لكنني أسجل ملاحظتين في هذا المجال. الأولى أن جرعة المديح والأوصاف التي أغدقت على القائد معمر القذافي كانت عند البعض مبالغًا فيها، ولا أظنني أن القائد كان بحاجة لذلك أو أنه طرب لسماعها، علماً بأن البروتوكول استوجب مخاطبته بقائد ثورة الفاتح من سبتمبر وكان هذا يكفي.
ثانياً على ما يبدو أن أجواء صحراء سرت ألهبت بعض الخطباء فصدحوا بمواقف تجافي مواقفهم الحزبية المعلنة، ويبقى هذا شأناً بينهم وبين ناخبيهم. هنا أود أن أسجل للشيخ رائد صلاح تحدثه بخطاب حاول أن يصيب به قواسم مشتركة عند الجميع مؤثراً ذلك عن خطاب يعكس فكر حركته المباشر. كذلك أسجل أن النائب بركة تحدث بلغة وخطاب مطابقين لخطاب الجبهة الديمقراطية في كل موقع ومكان فلم يتأثر بحرارة صحراء سرت ولا بمشهدية الموقف.
أسجل تقصيراً هاماً بعدم إفساح المجال للمهندس رامز جرايسي، الذي كان مفروضاً أن يتكلم، فهو كرئيس للجنة الرؤساء العربية وكرئيس بلدية الناصرة على ما ترمز إليه وتمثله، لهذا كله كان من الهام والضروري أن يتقدم العديد من الخطباء،

 

كثير من الفضول والإندفاع النوستالجي كان وراء مشاركة كثيرين في هذه الزيارة، وهي بلا شك كانت هامة وضرورية ولذلك ستبقى تجربة شخصية عززت كثيرا من القناعات وزودتني بكثير من التساؤلات.
لم نسافر كوفد موحد الرؤى والدوافع، ولم نعد كوفد موحد الرؤى والمواقف، وإن كان التواصل شعاراً جمع من جمع لا بد أن لا يتحول ذلك إلى اتصالات تفرق ولا توحد ولهذا تواصلوا أولاً بينكم، ولا بأس أن تكون لجنة المتابعة العليا خيمتكم وخباءكم لأنها غير ذلك ستبقى مخبأكم ويبقى السؤال إلى متى؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

مرّبون علّموني

featured

ابو شرف.. نصير المستضعفين

featured

والله ساغ يا سليم

featured

حرب جنرالات الاحتلال

featured

"مـُلهِم"سوائب اليمين المتطرف!

featured

شعلة المهرجان العالمي للشباب والطلبة لا زالت متقدة

featured

الدَّيْن والدِّين

featured

الحرية وفقط الحرية