مع حلول مناسبة يوم الأرض في 30 آذار، تلوح في مخيلتي "ذكريات عبرت أفق خيالي"، ذكريات مواقف التحدي والصمود من أجل كرامة الأرض والإنسان،ذكريات أحداث الزابود والنضال الحازم المستمر على مدار سنين طويلة، لتحرير أراضي بيت جن من قيود"سلطة حماية الطبيعة" في التسعينيات من القرن الماضي.
حين أقرأ مقولة طيب الذكر المرحوم توفيق زياد(رئيس بلدية الناصرة سابقا): في الاجتماع الاستثنائي الذي دعي إليه 46 رئيس سلطة محلية عربية في بلدية شفاعمرو في أواخر آذار 1976:بهدف إلغاء قرار إضراب الجماهير العربية في البلاد الداعم لموقف مثلث القرى سخنين، عرابه، دير حنا، حيث رفعوا راية النضال والاحتجاج على سلب اراضي "المل"(منطقه-9)، وحين أعلن طيب الذكر في نهاية الاجتماع،رغم انف هيرمن،وفرانكو وأتباعهم،"أن الشعب قرر الإضراب وهذا ما سيكون"، ولأن التاريخ يعيد نفسه، فقط يتغير الزمان والمكان; وتبقى ذات السياسة السلطوية ونهجها في سلب الأراضي العربية، لا لتطوير الجليل كما يزعم أو يتوهم البعض من ضعفاء النفوس،بل لتهويد الجليل وتضييق الخناق على سكانه العرب بهدف سلبهم حقوقهم.
يذكرني اجتماع آذار 1976 في بلدية شفاعمرو، باجتماع مماثل دعاني إليه إخواني رؤساء المجالس المحلية الدرزية آنذاك في شهر آب 1997 في مكتب قائد المنطقة الشمالية في الشرطة اليك رون في الناصرة،وبعد التضييفات السخية والكلام المعسول يطلب مني الرؤساء (طبعا حسب طلب اليك رون);بالسماح لسلطة حماية الطبيعة دخول أراضي بيت جن، لان بيت جن ليست اوتونوميا (على حد تعبيرهم)ويحق للسلطة والشرطة دخول كل مكان ،ومعنى ذلك إلغاء الاتفاق المبدئي الذي توصلت إليه مع مدير عام سلطة حماية الطبيعة ومع قائد المنطقة الشمالية للشرطة يوم 24/7/97 في مجلس بيت جن المحلي وبحضور الرؤساء المحترمين، والذي بموجبه تعهدت السلطة والشرطة مرغمة عدم دخول أراضي القرية ما دامت الأحداث"حاميه الوطيس"، والموافقة على إبقاء الحواجز من كل جهات القرية حتى إيجاد حل للقضية، وذلك بعد الموقعة التاريخية التي حدثت في نفس اليوم 24/7/97 حين حاول المئات من رجال الشرطة بقيادة اليك رون كسر الحاجز الشمالي للقرية على الطريق بين الزابود والجرمق في المنطقة المسماة راس خلة القاضي،وحين تصدى لهم الأهالي وطردوهم وابقوا الحاجز على حاله(وعن هذه الموقعة سيكون لنا حديث لاحقا)، وفي ذلك الاجتماع وقف إخواني رؤساء المجالس الدرزية ضد موقفي،وهذا ما حدا باليك رون الى طلب التصويت والأغلبية تقرر، فقلت له ولهم،في بيت جن رئيس مجلس يمثل شعبه،والشعب عندنا قرر إبقاء الحواجز في وجه الأشرار حتى بلوغ الهدف،وهذا ما سيكون،واذكر إنني قلت لإخواني الرؤساء،كنت أتوقع منكم أن تقفوا بجانبي لا في وجهي، توقعت منكم من منطلق حفظ الإخوان ،الإعلان عن إضراب عام للطائفة الدرزية لمؤازرة أهالي بيت جن،أسوة بما عملت به الجماهير العربية في يوم الأرض سنه 1976 لمؤازرة سخنين وعرابة ودير حنا في نضالهم لاسترجاع أراضي "المل": ولم أتوقع منكم دعوتي لمكتب قائد الشرطة لكي تخدموا السلطة لسلب أراضينا: فاليوم في بيت جن وغدا عندكم.
وهذا ما لمسناه ونلمسه في المنصورة، والجلمة، وام الشقف وام السحالي والعراقيب ، وغيرها وغيرها،ولذلك رفضت موقف الرؤساء الداعم لموقف الشرطة والسلطة وبقيت وحيدا في موقفي، موقف أهالي بيت جن، موقف الشعب الذي ينطق بالحق،ويردد قول أبي القاسم الشابي:
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر
وهذا ما حدث وهذا ما سيحدث في نضالات الشعوب.
وعن الموقعة التاريخية على طريق الزابود-الجرمق يوم 24/7/97،إليك قارئي العزيز موجز تفاصيل الأحداث:
بعيد أحداث شق شارع بيت جن حرفيش وبدء العمل على شارع بيت جن عين الأسد، ليل السبت الموافق 10/6/1995(عن هذه الأحداث ستكون لنا وقفة لاحقا)،دخلت بيت جن مرحلة استثنائية من النضال،إذ تطلب اتخاذ إجراءات غير عادية وغير دارجة من وسائل الاحتجاج،تطلب خلق حقائق ميدانية ،خاصة وان سياسة السلطة معروفة ومدروسة "فرق تسد" ومن عرف الداء هان عليه الدواء.
وعليه فقد قررنا في طاقم النضال للدفاع عن أراضي بيت جن،إقفال مداخل القرية من كل الجهات ،وإقامة الحواجز لمنع دخول أوباش السلطة إلى أراضي القرية،وأذكر كلمات المناضل والأديب محمد نفاع في اجتماع طاقم النضال: "هذه الحواجز ترحب بالأخيار وتمنع دخول الأشرار" .
ومن بين الحواجز التي أقيمت ،كان الحاجز الشمالي على طريق الزابود-الجرمق،في المنطقه المعروفة برأس خلة القاضي،حيث أقيم في ذلك المكان حاجز من الصخور في وسط الطريق لسدها أمام الأشرار،يحرسه نخبه من الرجال ليل نهار،وهذا ما حدث منذ بداية شهر 7/97 حتى يوم 24/7/97، حين دعيت للقاء تلفزيوني في القناة الثانية في القدس بخصوص نضال أهالي بيت جن لتحرير أراضيهم يوم 24/7/97 (وفيما بعد تبين انه ربما كانت الدعوة لهذا اللقاء خدعة سلطوية لإبعادي عن الحلبة).
وفي طريقي إلى القدس وفي منطقة أريحا بالتحديد،اتصل بي احد الإخوان من طاقم النضال وقال لي ان الشرطة دهمت الحاجز الشمالي وهناك صدامات عنيفة مع رجالات الحاجز وطلب الإيعازات اللازمة،وعلى الفور استدرت وعدت باتجاه بيت جن بسرعة جنونية،وفي طريق العودة،أعطيت الإيعازات اللازمة لرجالات الميدان وطاقم النضال بالتصدي لأي محاولة استفزازية من قبل الشرطة وأتباعها مهما كلف الثمن،لان الهدف أسمى وأجل، ويجب إعادة الحواجز كما كانت.
وهذا ما حصل.فمقابل المئات من رجال الشرطة بقيادة اليك رون،مزودين بالمعدات الحربية،الأسلحة وقنابل الغاز المسيل للدموع،خرجت بيت جن عن بكرة أبيها،رجالا ونساءً،شيبا وشبابا وحتى الأطفال الصغار،وكل من لبى نداء الكرامة، مزودون بالعصي والمناكيش والفواريع، خلال دقائق معدودة اعيد بناء الحاجز،وتم طرد الشرطة من المكان،بعد تشليح رجال الشرطة بعض معداتهم،وطبعا كان الثمن جرح العديد من الرجال المناضلين الأشاوس الذين أتوا للذود عن حقوقهم وعن أراضيهم.
وحين وصلت إلى المكان،حسبت للوهلة الاولى أننا في ساحة حرب،حيث تصاعد غبار الوغى على الطريق المؤدي إلى الزابود،وعلى ارض بركة الزابود اصطفت مئات الحافلات والتراكتورات التي نقلت الأهالي للتصدي على جناح السرعة ومن منطقة بركة الزابود إلى رأس خلة القاضي،كانت الطريق والأراضي تعج بمئات المناضلين الأشاوس، وفي ميدان المعركة "رأس خلة القاضي"- قرب الحاجز الشمالي باتجاه الجرمق،رأيت بأم عيني المئات من الرجال الرجال يطاردون أوباش الشرطة بين أشجار السنديان والمل والقاتل المعمرة،ويا لها من مشاهد مؤثرة، تهيج المشاعر لتفر الدموع من المقل، شيوخا في الثمانينيات من أعمارهم يرافقهم أطفال مقنعون يطاردون الشرطة، والعصي والمناكيش تتغلب على البنادق وعلى قنابل الغاز المسيل للدموع; وكما قال لي احد الصغار الواعدين،"لقد قوست علينا الشرطة وابل من قنابل الغاز المسيل للدموع،ولكن انظر،ولا دمعة،فالشرطة هي التي بكت،وهي التي هرولت بجاه سيدنا الإمام،ولأننا على حق وهم مغتصبون".
وبعد ان تفقدت أحوال ومعنويات الاهالي ،ووصلت إلى حيث تواجد آخر رجالاتنا في منطقة رأس أبو حجر المطل على منطقة بير الجرمق،مررت بقائد الشرطة وطلبت منه أن يلملم أوباشه وينقلع من المكان ويخجل من نفسه ، فوجودهم يدنس هذه الأرض الطيبة. وبالفعل خلال دقائق ولوا هاربين من المكان.
وعدت برفقة الرجال مشيا على الأقدام وأهازيج الحداء تصدح وكأننا في عرس شعبي كبير حتى وصلنا إلى بركة الزابود وكان لنا اجتماع شعبي ومهرجان خطابي،حضره الآلاف من أهالي البلد والمنطقة،وفسح المجال لكل من تواجد أن يتكلم ويعبر عن شعوره ورأيه في هذا الموقف الرهيب. وفي النهاية قررنا الإعلان عن يوم 24 تموز من كل سنة "يوم كرامة ارض بيت جن".ولعدة سنوات تلت، كان اهالي بيت جن يحتفلون بيوم 24 تموز كيوم كرامة الأرض،وما أن جار الزمن وتغيرت الأحوال حتى تناسى البعض يوم كرامة أرضهم لغرض في نفس يعقوب،مثلما تناسوا مسيرة الأنبياء،أو كما سماها البعض من ضعفاء النفوس مسيرة الأشقياء .
وهذه هي الأحوال اليوم نرى بعض الزعامات تعمل بايعاز من السلطة،وليس كقيادات شعبية،هذا ما لمسناه في قضية أراضي الكرمل،الجلمة والمنصورة وام الشقف وغيرها ولكن من جهة اخرى يوجد الكثيرين من ابناء الطائفة المعروفية المناضلين صفا واحدا مع بقية ابناء شعبهم العربي في الحفاظ على ما تبقى لنا من ارض.
والسؤال الذي يطرح نفسه،إلى متى.والى أين؟! لان كرامة الأرض من كرامة الإنسان، ورحم الله من قال.من لا ارض له لا كيان له ولا وطن له،والدين لله والوطن للجميع.
( الكاتب رئيس مجلس بيت جن سابقا)
(يتبع )
