*فيما يلي تعميم سياسي صادر عن لجنة العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي اللبناني، نقوم بنشرها على عدة حلقات لأهميتها*
شكّل العام 2014 على الصعيدين الدولي والعربي مرحلة بالغة الأهمية والخطورة في آن. فقد استطاعت الحركات الشعبية والقوى التقدمية العالمية أن تسجّل انتصارات مهمة في مواجهة مخططات الامبريالية، بدْءًا بأميركا اللاتينية وانتصار الثورة الكوبية في أن تفرض على واشنطن الاعتراف بفشل سياساتها التآمرية ضد كوبا، ووصولًا إلى أوروبا، حيث شكلت التحركات العمالية رافعة في مواجهة المحاولات الرأسمالية المستمرة لتحميل الطبقة العاملة والطبقة الوسطى أوزار أزمتها المستعصية على الحل.
إلا أن هذه الانتصارات، ومنها تلك التي حققتها الثورة الفلسطينية (وقواها اليسارية) في مواجهة العدوان الإسرائيلي وتمكن الثورة التونسية من انهاء حكم "الإخوان المسلمون"، ترافقت مع زيادة في حدّة عدوانية الامبريالية، الأميركية على وجه التحديد، في العديد من المناطق، خاصة أوكرانيا والعديد من الدول الإفريقية التي عاشت وتعيش اضطرابات دموية وحروبًا دينية واثنية غير مسبوقة. وتركز الامبريالية هجومها الشرس على منطقة الشرق الأوسط، عمومًا، والعالم العربي، على وجه الخصوص، مستندة إلى السياسات التي تنتهجها الأنظمة الرجعية في تلك المنطقة، والتي أسهمت في خلق حالة من الفوضى عبر الدعم الذي قدّمته تلك الأنظمة على مر السنين للمجموعات الارهابية، بدءًا من العراق وامتدادًا إلى سوريا ولبنان ومصر وليبيا وغيرها من بلدان المنطقة.
ولعلّ أحد أخطر أشكال تنفيذ المشروع الأميركي الامبريالي "الشرق الأوسط الجديد" الهادف إلى رسم حدود دول جديدة دينية واثنية، يكمن في تفريخ قوى دينية سياسية فاشية استطاعت، منذ حزيران 2014 وبفعل الدعم الأميركي والإقليمي والعربي الرجعي (تركيا، والسعودية، وقطر)، أن تسيطر على مناطق واسعة من العراق وسوريا. وهي تحاول، منذ ذلك الحين، أن تمدد نفوذها إلى لبنان، بما يعيد إلى الذاكرة السياسية فترة ثمانينيات القرن العشرين وإنشاء تنظيم القاعدة الفاشي من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لمواجهة المد الشيوعي. واليوم تعيد الولايات المتحدة السيناريو نفسه عبر "داعش" و"جبهة النصرة وأخواتهما"، لهدفين مترابطين مع بعضهما البعض: الأول، ويكمن في ضرب ثورات الشعوب العربية وانتفاضاتها، لافشال الأهداف التي وضعتها من أجل تحقيق التغيير الديمقراطي للأنظمة العربية. أما الثاني، فيكمن في تأجيج الصراع الديني والمذهبي السياسي والاثني أيضًا، الذي يشكل ذريعة للكيان الإسرائيلي لتحقيق حلمه الفاشي العنصري المتجسد بالاعلان عن اقامة "دولة اليهود في العالم" على أرض فلسطين المحتلة، عدا عن ضرب القوى المقاومة لعدوانه، ان في الداخل الفلسطيني أم كذلك في لبنان، حيث يستمر التآمر الصهيوني - الامبريالي والاعتداءات على أرض لبنان وشعبها والتي كان آخرها قنابل الغاز على الجيش والعدوان الجوي على دورية للمقاومة الاسلامية.
هذه الرؤية، وما يترافق معها من تسهيل تواجد قوى الارهاب في المناطق السورية واللبنانية المحاذية لفلسطين المحتلة، إضافة إلى احتدام الصراع الأميركي – الروسي على أكثر من جبهة، تؤكد أن المنطقة ستبقى أسيرة الحروب العدوانية والصراعات الطائفية المكملة لها... الأمر الذي يستدعي البحث في سبل تجميع القوى الثورية والديمقراطية لمواجهة التحديات التحررية والعمل على انجاز التغيير الذي بدأ.
*أولًا – في الوضعين العربي والإقليمي*
1- "الائتلاف الدولي" وأكذوبة محاربة الارهاب:
تؤكد السرعة التي سيطر فيها تنظيم داعش الفاشي على مناطق واسعة من العراق ووصوله إلى حدود إقليم كردستان، إضافة إلى سيطرته على مناطق كبيرة من سوريا على الحدود بينها وبين العراق وما يسعى له على الحدود السورية - اللبنانية، أن الامبريالية الأميركية، التي لا تزال تطمح إلى إحكام سيطرتها الكاملة على العراق وموارده، تحاول استكمال ما بدأته من تقسيم هذا البلد على أساس المحاصصة الطائفية والاثنية.
وتجدر الاشارة إلى أن الولايات المتحدة لم تحرك ساكنًا إلا بعد إحكام تنظيم داعش الفاشي سيطرته على مناطق شاسعة في كل من سوريا والعراق ووصوله إلى حدود إقليم كردستان العراق، الذي يشكل منطقة استراتيجية في المشروع الامبريالي الأميركي، لناحية غناه بمخزون استراتيجي من النفط، وحجم استثمارات شركات النفط الأميركية فيه، إضافة إلى علاقة الاقليم مع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي. لذا لم يكن الهدف من انشاء ما يسمى "الائتلاف الدولي لمحاربة الارهاب"، الذي يضم حوالى 20 دولة (من بينها لبنان وباستثناء ايران)، توجيه ضربة فعلية للارهاب بقدر ما كان إعادة تنظيم الصراع الدائر في المنطقة باتجاه يخدم المشروع الامبريالي – الأم... أي إعادة رسم حدود الدول التي أفرزتها اتفاقية سايكس – بيكو على أساس تقسيم المقسم أصلًا، إلى دويلات دينية ومذهبية واثنية متصارعة مع بعضها البعض تعيد تأبيد الهيمنة الامبريالية الأميركية على منطقتنا وثرواتها، وتحمي في صراعاتها الكيان الإسرائيلي محققة له حلم دولته الدينية.
وعليه، فإن تنظيم "داعش"، وأخواته، أوجد الذريعة التي تحتاجها واشنطن لعودة احتلالها إلى العراق. وهي عودة من نافذة "محاربة الإرهاب"، التي هي نافذة بنوافذ كثيرة تجاوزت العراق لتصل إلى سوريا من خلال تنفيذ ضربات جوية داخل الأراضي السورية، مما يشكل خرقًا للسيادة الوطنية السورية وللقوانين الدولية، كون الائتلاف الدولي يعمل من خارج الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، المحكومة قراراتهما لصراع القطبين الرأسماليين الولايات المتحدة وروسيا.
وعلى الرغم من الضربات الجوية التي ينفذها "الائتلاف الدولي" ضد داعش في العراق وسوريا، وكثرة الحديث عن مساعدات عسكرية ولوجستية قدمت أو ستقدم إلى لبنان، تجدر ملاحظة القضايا التالية:
أولًا، تركزت ضربات "الائتلاف الدولي" على مناطق محددة بينما لا يزال تنظيم داعش يحقق تقدمًا ويفرض سيطرته على المناطق المتواجد فيها، ممّا يؤشر إلى رسم خطوط تماس تكون بمثابة أمر واقع.
ثانيًا، تزداد بوادر عودة برية للجيش الأميركي وبعض حلفائه الأطلسيين إلى العراق وإقليم كردستان، ولكن هذه المرة على شكل خبراء عسكريين ومدربين لقوات البشمركة وللجيش العراقي، لديهم حصانة تضعهم فوق القوانين المحلية المرعية الإجراء، وما قد تشكله هذه العودة من مقدمة لتعزيز القواعد العسكرية الأطلسية في المنطقة.
ثالثًا، يستعيد طرح إنشاء "مناطق حظر" أو "مناطق عازلة" أهميته مجددًا، خصوصًا بعد معركة كوباني (عين العرب) في سوريا التي خاضها المقاتلون الأكراد مع فاشيي تنظيم داعش، على وقع خلاف، شكلي، بين أميركا وتركيا، حول دور الأخيرة في محاربة الارهاب، وإصرارها على فرض "منطقة عازلة" على الحدود التركية – السورية كشرط لمشاركتها في الحرب على الارهاب. وهذا الخلاف يؤشر إلى ثلاثة أمور:
ألف- مدى تورط أردوغان في دعم التنظيمات الدينية الفاشية، وما قد يشكله دخوله في الحرب ضدها من انعكاسات سلبية على مواقع قوته.
باء- سعي تركيا الدائم، وبجميع الوسائل، إلى السيطرة على المناطق الكردية ووضعها تحت نفوذها، لما يشكله الأكراد في تركيا وعلى حدودها من تهديد لها. ويبدو أن أردوغان قد نجح في ما يريد، وذلك من خلال السماح بدخول قوات من البشمركة إلى كوباني (عين العرب) للمشاركة في القتال ضد داعش، ولكن بشروط تركية، من ناحية، وعدم تضييق تركيا على حركة العناصر الارهابية من ناحية ثانية. ممّا يعني الابقاء على داعش كأداة تهديد للمناطق الكردية وفرض خطوط تماس فيها، إضافة إلى استعمال هذا التنظيم ورقة بيد أردوغان في ما يتعلق بالأزمة السورية.
ج- الواضح أن أدوار الدول الإقليمية، وبالتحديد تركيا والسعودية وإيران، لم تتبلور بعد في إطار الصراع بين أميركا وروسيا، ولعلّ المؤشر على ذلك عدم موافقة أميركا على إقامة منطقة عازلة على الحدود التركية – السورية من جهة كوباني (التي ليست منطقة عازلة بل حدودًا جديدة)، لأن الموافقة عليها قد تؤدي إلى قيام إيران بخطوة مماثلة تقيم فيها "منطقة عازلة" على حدودها مع العراق لمحاربة الإرهاب أيضًا.
رابعًا، الواضح أن ما يسمى حربًا على الارهاب، بقيادة الولايات المتحدة، ستستغرق وقتًا طويلًا - وهذا ما أكده الرئيس الأميركي باراك أوباما في العديد من تصريحاته - بما يعني، بالتالي، إبقاء التوتر في المنطقة على ما هو عليه من حروب وقتل وتدمير وتهجير إلى أطول زمن ممكن، وعلى شعوب المنطقة دفع فاتورته، خصوصًا وأن الولايات المتحدة بدأت باحتساب فاتورة ما يسمى حربها على الارهاب.
انطلاقًا ممّا تقدم، يمكن استنتاج أن "الحرب على الارهاب" هي، في الواقع، تمهيد للعودة العسكرية للولايات المتحدة الأميركية إلى المنطقة في إطار مشروعها الامبريالي "الشرق الأوسط الجديد"، عبر خلقها للتنظيمات الدينية الفاشية وفرضها كأمر واقع ترسم على أساسه حدود دول سايكس – بيكو الجديد، وبالتالي يتضح أن من أوجد الارهاب ليس من مصلحته القضاء عليه لأنه أداة من أدوات العدوانية الامبريالية الأميركية والسيطرة على العالم تحت ذريعة "محاربة الارهاب" وليس القضاء عليه. (يتبع)
