أم خليل امرأة تحمل روح دعابة عالية، حتى في الجنازات وبيوت العزاء تتجنبها النسوة لأن كل ما تتلفظ به بقصد أو بغير قصد يثير الضحك،حتى مشيتها العجلى، يطرق الشبشب كعب قدمها محدثا ذلك الصوت الشبيه بالصفعة الخفيفة كفيل بإضحاك من يراها.
هذه المرة قررت أن تتحلى بالجدية وتستمع إلى الواعظة، تلك المرأة التي تتحدث في المآتم وتنظم حركة النساء المتكومات على بعضهن او اللواتي يطلن المكوث عند أهل الفقيد، فهي تصدر تنبيهاتها وتستشهد ببضعة احاديث وبضع آيات قرآنية سهلة الترديد عليها وعلى سائر الحاضرات.وهذا المقطع يعجب ام خليل في حفظ النظام.
يومها جلست أم خليل في الصف الأمامي محدقة بالواعظة التي أعدت محاضرة آخر طبعة كما وصفتها ام خليل.
نصف ساعة مرت على درس الوعظ والحث على طاعة المرأة لزوجها، بل الطاعة العمياء، يعني على العمى؟ علقت أم خليل مبدية عدم الرضا في الإنصياع لطلبات "ابو خليل" ومعظمها كطلبات الأطفال: ناوليني القميص، خذي هذه المنشفة انشريها، تعالي وقطعي لي قطعة الدجاج لأتمكن من تناولها، وكم أشارت له بأنها تحمل طفلها الصغير، أو تريد الاستحمام قبل ان يستيقظ صغيرها، دون ان يستجيب لها ولو بأصغر مساعدة ممكنة فهو يستعذب ترديد: قوامون على النساء، زوجك وتاج راسك، فتسكت ممتعضة، والليلة حمدت ربها مرات ومرات لأن هذه الواعظة لا تتحدث على مسامع الازواج لان رؤوسهم ستكبر ويفرحون بهذا التتويج، واستأنفت الواعظة ملاحظتها المدهشة: على المرأة طاعة زوجها حتى لو كانت تخبز على التنور وطلب منها تدليله..
أيوه..هذا ما كان ينقص أن أحرق الخبز كرمى "ابو خليل"... ألا يستطيع الانتظار قليلا؟
ورفعت أم خليل عقيرتها بكل هدوء وسلاسة: يا حجة عندي سؤال..
همهمت النسوة.. كتمن الضحكات، وضعت بعضهن الأيدي على الأفواه وانتظرن ما تجود به أم خليل: يعني كيف أستجيب لطلباته إذا كان قد ضربني علقة ساخنة كعادته؟ فهو لا يفكر لثوان في مد يده السمينة الغليظة الأصابع ليصفعني؟
علت أصوات التهامس.لم تستجب الواعظة مع طرح ام خليل بل تجاهلت المظلمة وتابعت: اخواتي الفاضلات،على المرأة الطاعة..
علا صوت النسوة رافضات الطاعة العمياء تتزاحم العبارات: كيف تطيع من يهينها ؟
واختتمت أم خليل: يعني نحن بشر ام......
وقطعت ام خليل بالمفاجأة الكبرى وهي تردد: وجعلنا بينكم مودة ورحمة. بوي الله يرحمه دايما رددها وهو يساعد أمي في غسل الصوف وجزه، وكم أقفل الباب وعجن العجين وأمي تجلس قبالته ببطنها، ووجهها المتورم معلنا عن قرب استدعاء القابلة لتوليدها... روحي يا شيخة أصلحك الله وهداكِ، وهبت أم خليل منتفضة تعقد منديل رأسها وتهز كتفيها: عشنا وشفنا.
