لا تقتصر مساوئ ومخاطر حكم اليميني بنيامين نتنياهو على مضامين ومفاعيل سياساته المتطرّفة، بل تشمل أيضًا ذهابه بعيدًا في انقطاعه واستعلائه لدرجة إطلاق التصريحات التي تثير الاستهجان لشدة عبثها، وربما حماقتها.
فبعد تهجماته المنفلتة التي تقارب فقدان الرشد السياسي على صحفيين ووسائل العام قاموا بانتقاد سياساته ومسلكياته العامة والخاصة، يأتي الآن استرضاء المستوطنين بالأموال والاجتماعات الدافئة وتصوير نفسه واحدًا منهم "كمن اقتُلع من بيته".. وهو كذب في حالته وفي حالتهم!
ففي اجتماع ليلي مع مستوطنين من البؤرة الاستيطانية قير الشرعية حتى وفقًا للقانون الاسرائيلي نفسه (علمًا بأن المستوطنات كلها غير شرعية بالمرة وفقًا للقانون الدولي) أطلق نتنياهو مقولة مستهجنة جاء فيها: "أنا أعرف ما الذي يعنيه فقدان البيت، بعد انتخابات 1999، وبعد إنذار، قاموا ببساطة بطردي مع عائلتي من البيت في (شارع) بلفور، هكذا، مع كل الأغراض. بكل بساطة ألقوا بنا في الشارع، واضطررنا للذهاب إلى فندق شيراتون بلازا، هذا شعور رهيب".
التشبيه الأول الذي يخطر بالبال هو مقولة البسكويت لماري انطوانيت زوجة الملك الفرنسي لويس السادس عشر.. إذ قالت: "إذا لم يكن هناك خبزٌ للفقراء.. دعهم يأكلون كعكاً". هذا جسّد درجة رهيبة للاغتراب عن الشعب والاستعلاء عليه بشرائحه وطبقاته الشعبية العريضة. ومقولة نتنياهو عن حرمانه من البيت (مقر رئاسة الحكومة!) و "اضطراره" المبيت في فندق خمس نجوم فخم، لا تختلف بالمرة من حيث الاغتراب والاستعلاء والانقطاع عن المواطنين والانغلاق فيما يشبه "الشرنقة السلطوية".
إن مجرّد تفرّغ نتنياهو – من بين كل القضايا التي تطال وتمس ملايين المواطنين!- للاجتماع مع مستوطنين يجري استعطافهم ليتركوا بيوتا مقامة على أرض منهوبة من فلسطينيين، و"تعويضهم" بملايين الشواقل لكل عائلة وببيوت جديدة على أرض أخرى منهوبة، والقيام بدوس القانون وتجاوزه والالتفاف على قرارات ناجزة للمحكمة العليا.. هو الصورة الحقيقة لفهم من الذي يحكم في اسرائيل فعلا! إنه حكم الأقلية الاستيطانية وليس حكم الشعب!
