أسئلة حارقة

single

*الأحادية في تقييم المشهد تحت شعار "الشعب يريد"، سيحرمنا من التساؤل المحق: ألم تكن  ثورة العشرينيات التي اجتاحت العالم العربي ثورة الشعب يريد وكان أمراء الخليج قادتها، والغرب داعمها؟*

 
في زمن الثورات والتغييرات الدراماتيكية في حياة الشعوب، يتراجع صوت العقل النقدي عموما لصالح حماسة الخطاب الاستئصالي، وتضيع الكثرة من الحقائق الخضراء لأن الزمن لا يتسع إلا للأبيض والأسود، لكن قدر من يشتغل بالفكر أن يعاند الريح، ويحاول تقديم وجبته الفكرية الدسمة حتى لو كانت أغلب الميول للقمة سريعة على باب الانتظار لخبر عاجل.
فمشهد الثورات العربية  يفتتح مسارا لن تكون بلاد العرب بعده كما كانت قبله، يحمل نبض الشارع وحراك الشباب المقتحم لميادين العمل العام، وهذه بشارة طال انتظارها عقودا. لكن الأحادية في تقييم المشهد برؤية هذا العامل وتمجيده وتقديسه تحت شعار "الشعب يريد"، سيحرمنا من التساؤل المحق: ألم تكن  ثورة العشرينيات التي اجتاحت العالم العربي من مشرقه إلى مغربه ثورة الشعب يريد، لإجلاء الاستعمار التركي عن بلادنا، وكان أمراء الخليج قادتها، والغرب داعمها؟ - تذكروا الشريف حسين وغلوب باشا – ولكنها انتهت باتفاقية سايكس بيكو التي قسمت البلاد العربية وبوعد بلفور الذي أسس لاحتلال فلسطين؟
إن سلالة الأنظمة التي حكمت واستبدت ومارست فسادا منقطع النظير قد تولت الحكم هي الأخرى باسم "الشعب يريد"، منذ ثورات الاستقلال من الاستعمار الغربي في خمسينيات القرن الماضي، والانقلابات العسكرية التي أوصلتها للسلطة لا تفسد من شعبيتها شيئا.. فالواضح اليوم أن تزاوجا شبيها يحدث بين الجيش والنهوض الشعبي في تأسيس سلطة جديدة وحقبة جديدة، والواضح أن للجيش الكلمة الأولى، طالما أن الشعب يكتشف السياسة والتنظيم حديثا ولا يملك ادوات مكافئة للجيش في السباق نحو القرار، كما هو حال تونس ومصر؛ وطالما أنه حيث شراكة الجيش مشكوك فيها تراوح الثورة بين خطر الفوضى والحرب الأهلية كحال اليمن، أو استبدال شراكة الجيش المتواصل مع الغرب عموما بجيوش الغرب نفسها مباشرة كما هو الحال في ليبيا.
كل خمسين سنة تعيش بلادنا ثورات تؤكد ترابط المصير العربي بدليل تنقلها كالنار في الهشيم من بلد عربي إلى آخر، وتؤكد حيوية الشعوب العربية وإبداع اجيالها الشابة، لكنها تؤكد حساسية المصالح الغربية في بلادنا بما لا يدع مجالا للتهاون مع بلوغ مقاليد الحكم لفئات معبرة بأمانة عن تطلعات الشعوب وتطلبها للاستقلال والتحرر ممزوجين بالحرية والديمقراطية.
كتبتُ في أيلول الماضي سلسلة مقالات توقعت فيها انفجارات مدوية تهز العالم العربي، تحت عنوان "تداعيات تقسيم السودان"، ومحذرا من إنفلات فوضى التفتيت بحيث يصبح على الشعوب المفاضلة بين وحدة وطنية لا يحفظها إلا نظام الاستبداد والفساد، وبين حرية وديمقراطية تؤول إلى تفتت الكيانات الوطنية على الطريقة اليوغوسلافية، فتجلب ريح الحروب الأهلية والتدخلات الأجنبية. كما كتبت تحت عنوان "الحروب المقبلة"، متوقعا شكلا من الحروب القادمة من خلال توفير بوليصة التأمين لأمن إسرائيل بعد هزائمها المتكررة، وأنا اليوم متمسك بما كتبت، وخائف من مجرد مشهد أبله عنوانه تشجيع خليجي ورعاية سريالية لثورات الكرامة والحرية والديمقراطية،وهي قيم تتمسك بها الشعوب أصالة لكن أدوات الرعاية المالية والإعلامية الخليجية تكسر الرؤوس وتحني الجباه خجلا، وخائف من لحظة بات فيها التباهي بأعلام الدول الأجنبية الغازية كمخلص، مشهدا متكررا لغلوب باشا في الثورة العربية الكبرى والشريف حسين.
 مع خروج الأتراك من بلادنا كصدر أعظم وباب عالٍ دفعنا الثمن بثورة الشريف حسين وغلوب باشا فذهبت السلطنة وجاء الفرنسي والبريطاني ودفعنا أنهارا من الدماء لإخراجهم لكن مع تركة ثقيلة في فلسطين وتفتيت بلاد العرب إلى أكثر من عشرين دولة. ومع عودة الباب العالي ومشروع السلطنة العثمانية الجديدة بعدما استغرق نزع أنيابه وتوضيبه قرنا من الزمان ليصبح وكيلا مقبولا في دفتر الشروط الأجنبية، يبدو أننا سندفع ما هو أعظم، ثورة بقيادة الشيخ حمد، والجزيرة، و جيفري فيلتمان، وبرنار هنري ليفي، والثمن تثبيت اغتصاب فلسطين، وحروب مذهبية طاحنة لمئة عام تطل بقرنيها من الثورة السورية، والفتنة العراقية والمحكمة اللبنانية، وربما نستفيق على أربعين دولة عربية بعد ربع قرن، فنزداد همة في الأمم المتحدة لنضمن التصويت على نشوء دولة افتراضية إسمها فلسطين في جزء من بغداد، طالما ليس واردا قيامها على جزء من فلسطين ؟
إنه تشاؤم لا يبدده إلا الأمل بان يتحرر الشباب الثوار من تلفيقات رواد الفضائيات التي تنتحل صفة المفكرين والثورية للتنظير للشريف حسين وغلوب باشا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الحرب على غزة حقد وحماقة ونفاق

featured

باستخدامها الفيتو، قطعت أمريكا قول كل خطيب

featured

النقد ابو الثورات

featured

لنزع سلاح القوّة الامبريالية أولا

featured

ليتروّ "التجمّع" ولو قليلا

featured

جرائم قتل بتصريح سياسي 

featured

معركة" اول ايار 1958 - الصمود والاصرار على العيش الكريم والثبات في الوطن