قبل فترة صدر كتاب كرست صفحاته التي تجاوزت الأربعمئة للبرهنة على أن كمال أتاتورك يهودي، ولم يثر الكتاب أية ردود أفعال رغم خطورة الأطروحة التي ينطلق منها، وهي كون أتاتورك من يهود الدونما الأتراك، والآن تنشر صحيفة بريطانية مفاجأة تصل إلى ذروة المفارقة وهي أن أدولف هتلر من أصل يهودي، وأن فحص الحمض النووي لحوالي أربعين شخصًا من أقربائه أكد هذه الحقيقة، أو على الأقل ما يعتقده صحافي بلجيكي ومؤرخ هو مارك فليريميون . وبالطبع فإن هذه الأطروحة المضادة لسيرة الفوهرر ومجمل ما نسب إليه إزاء اليهود تقلب المائدة، وقد تكسر قوائمها.
فهل كان هتلر آخر من يعلم بأنه يهودي؟ أم أن يهوديته حسب هذا الطرح هي السبب في اعتناق أفكار لا تزال مثارًا لسجال عنيف حول العرقية وتبني الفلسفة النيتشوية حول السوبرمان؟
أغرب ما في التاريخ هو تغذيه الدائم من نقصانه ومن الحلقات المفقودة التي يزعم البعض أنهم عثروا عليها بعد حفريات معرفية وحمضية وجينية، أو اكتشاف قرائن كانت طي الكتمان أو النسيان.
المثير في تهويد هتلر أنه يحول من سميّ الجلاد النازي من قاتل إلى منتحر، وليس المقصود بالانتحار ما هو جسدي أو عضوي، ثمة ترجيح بأن هتلر أنهى حياته بعد الهزيمة، حين كلف طبيبه الخاص د . مايلر أن يقوم بالمهمة التي شملت عشيقة هتلر إيفا براون.
فهل سوف يغير هذا الاكتشاف، إذا كان صحيحًا، ومرتكزًا إلى وثائق علمية مفهوم الهولوكوست، وبالتالي يبرئ ألمانيا المسيحية من دم اليهود؟
الأسئلة كثيرة في هذا السياق، وينافس فيها ما هو متخيل وافتراضي ما هو واقعي، لأن هذا الكشف الذي تبناه صحافي ومؤرخ إضافة إلى صحيفة بريطانية هو على النقيض من الاعتقاد بأن هتلر كان يكره اليهود وهو لا سامي وينتمي إلى ديانة أخرى غير اليهودية . نعرف أنه ما من خاتمة للتاريخ وأن ملفاته قابلة لإعادة النظر، ومقابره قابلة للنبش، فقد قيل عن بسمارك وستالين وموسوليني إضافة إلى الإسكندر ونابليون ما يعدّ اختلافًا مع السائد المروي عنهم، وأحيانًا يكون العثور على خصلة شعر وفحصها بما توصل إليه العلم الحديث أهم من مجلدات كتبت عن هذا الإمبراطور أو ذاك، تمامًا كما حدث مع نابليون الذي اتضح من فحص خصلة شعر من رأسه نصف الأصلع أنه مات مسمومًا بالزرنيخ، لكن التاريخ ليس حلقات من مسلسل كتبه الرواة على هواهم، بحيث تنقلب بعض الوقائع مئة وثمانين درجة بعد نشر نبأ أشبه بجملة معترضة في كتاب التاريخ .
وما يثير المزيد من الفضول على هذا الطرح المضاد لأصول هتلر وديانته وعرقه هو ردود الأفعال المتوقعة من اليهود أنفسهم بعد أن حوّلوا اسم هتلر إلى مصطلح سياسي تحتشد فيه دلالات العرقية والتعصب ومعاداة السامية وهو مصطلح الهتلرة، وهو مرادف سياسيًا وإعلاميًا لمصطلح الشيطنة، وقد نعت عدد من زعماء العالم بهذا الوصف، لأنهم كما يتصور اليهود اقتفوا خطوات الفوهرر .
ومن تهويد أتاتورك إلى تهويد هتلر حكاية متعددة الأوجه وتستحق أكثر من قراءة .
