وأين سيذهب من ضيّعها كلّها؟!

single

لكم أن تتخيّلوا عدد السائحين الذين يسيحون في كابول كلّ يوم. من كلّ الأجناس والألوان واللغات. ولذلك كان يجب أن تستعدّ البلد كلّها ويستعدّ أصحاب المصالح بصفة خاصّة لهذا العدد منهم وأن يكتبوا لافتاتهم بكلّ اللغات بما يليق ببلد سياحيّ. ولا بدّ أن تُكتب هذه اللافتات بالعربيّة والعبريّة والإنجليزيّة حسب الضرورة.
أفهم حاجة الناس لتسويق مصالحهم وبضاعتهم بكلّ وسيلة ممكنة. أفهم أن تُكتب هذه اللافتات بالعربيّة والعبريّة. حتى أنني أفهم أن تكون بالإنجليزيّة والروسيّة والأمهاريّة. كلّ هذا حقّ شرعيّ. ما لا أفهمه ولا يمكنني أن أفهمه هو أن تكون كلّ هذه اللغات موجودة إلا العربيّة. نعم، هناك لافتات مكتوبة بالعبريّة والإنجليزيّة وليست بالعربيّة، وليست إلى جانب العربيّة ولا قدّامها ولا خلفها... قد يأتي بعضٌ من جيراننا اليهود في كريات آتا، خاصّة أبناء عمومتنا الجدد القادمين الجدد من روسيا، لشراء بعض الحمّامات وبلاط الرخام الرخيص من كابول وغيرها. قد يحدث هذا ولا بدّ أن تكون اللافتة بالعبريّة حتى يهتدي هؤلاء إلى هذه المحالّ، لكن لماذا لا تكون بالعربيّة التي يتحدّث بها أهل كابول أيضًا؟ وإذا أتى مثل هؤلاء، من الجدد أو العتق، هل هناك من يأتي ليحلق شعره أو لحيته عند حلّاق من بلدنا، أو هل يأتي أحد من كريات آتا ليؤمّن سيّارته وممتلكاته عند وكيل تأمين من كابول ولا يأتي أحد من أهل البلد نفسها؟ غريب! وكابول ليست على شارع مركزيّ وليست على خطّ تجاريّ مفتوح. لا يدخل إلى كابول إلا القاصد أو من انقلب رأسه. غريب هذا الشعور بالدونيّة أمام لغات الآخرين! وهذا ليس في كابول وحدها بل في كلّ قرانا ومدننا. قد يمرّ الواحد منّا في كفرياسيف، من حين إلى حين، من أول البلد حتى يخرج من أبوسنان فيجد أكثر من مائة محلّ على جانبي الشارع . أكثر من ثمانين بالمائة منها كتبت لافتاتها بلغة غير عربيّة. عدّوها واحسبوها بأنفسكم إن كنتم تمرّون من هناك... نسبة مخيفة.
المسألة قوميّة وعقائديّة وتسويقيّة أيضًا. هناك مِن بيننا مَن لا يتقن إلا لغة أمّه، وهناك من يصرّ على ألا يتقن غيرها. وحقّه أن يرى لغته بين اللغات. هذا حقّه. هناك مصالح ومعامل صغيرة وحوانيت ومحلّات تجاريّة لا تحتاج لأيّ لغة أصلا. فهل يحتاج محلّ "للبناشر" مثلا أن يضع لافتة بالعبريّة إذا كانت عجلات السيّارات المعطوبة والمثقوبة مصفوفة أمام المحلّ وعلى رصيف الشارع من الجهتين وقد استوطن بعضها حواكير الجيران مثل أوباش عمونا وغيرها؟! ما ضرّهم لو انتقموا للغة أمّهاتهم اللواتي ولدنهم من أرحامهنّ وأمّهاتهم بالرضاعة وأمّهاتهم بالأخوّة والجيرة والوطنيّة والقوميّة؟! ما ضرّهم لو جعلوها تعلو فوق أيّ لغة أخرى ولو على اللافتات، وهو أضعف الإيمان؟! محي اللغة العربيّة من لافتاتنا يعني أنها ممحيّة من ذاكرتنا واهتماماتنا. التجّار وأصحاب المحالّ يلغونها من لافتاتهم والشباب يجاهرون بمحيها من قائمة أغانيهم التي يستمعون إليها وهم في سيّاراتهم. ونحن نمحاها من أحاديثنا إلا من بعض المفردات التي تستعصي بالعبريّة فنرتدّ إلى العربيّة. ولم يبق منها إلا بعض الشتائم "الثمينة" التي نصدّرها لأبناء عمومتنا بسعر رخيص!!!         
إذا صحّ الحديث المنسوب إلى النبيّ العربيّ محمّد (ص) "أرشدوا أخاكم فقد ضلّ" حين لحن أحدهم في حضرته فكلّنا قد نُساق إلى النار. وإذا كان في اللحن ضلالة والضلالة قد توصل صاحبها إلى جهنّم وبئس المصير فأين سيذهب من ضيّعها كلّها؟!


قد يهمّكم أيضا..
featured

"حماة الديار" لخالد تركي إبداع في حفظ تاريخنا الغني

featured

ليبرمان وأصدقاؤه أنظمة المنطقة!

featured

من يدفن القانون الدولي مكانه أمام محكمة الجنايات الدولية

featured

التّغريدةُ الدّاعشيّة

featured

ألأُستاذُ المُربِّي حنا مخول، وَداعًا!

featured

المرحلة الجديدة من تطوّر الشعوب العربية (1)

featured

تميمةٌ اسمها أبو عمار

featured

جريدة الاتحاد