*حين تفجّرت ثورة التغيير العربية، بطابعها العفوي، على أيدي شباب غير مؤطّر، بشكل عام، في تنظيمات وأحزاب سياسية، بعد أن بلغ مستوى الفقر والتهميش، وعدم القدرة على احتمال نظام القمع البوليسي، درجة الغليان، ونزلت الجماهير الغاضبة الى الشوارع بالملايين، في العديد من البلدان العربية، تباعا ؛ حينئذ، لم تجد هذه الجماهير القيادات المجربة، لا اليسارية ولا القومية، المؤهلة لقيادة ثورة التغيير هذه*
- مع هزيمة التيار القومي، وفشل التيار اليساري في أن يكون البديل الناجح، فقد نشأ فراغ، في وقت كانت مشاكل الجماهير العريضة تتفاقم وتتعقّد، على مدى أكثر من أربعة عقود. وحين تيأس الجماهير من ايجاد حلول لمشاكلها على الأرض تتطلّع الى السماء
- واشنطن من جانبها، فلا ترى في التحالف مع هذه حركة الاصولية خطرا على مصالحها في المنطقة. مأخوذ في الحسبان، علاوة على سجل هذه الحركة السابق، أن لهذا التحالف أرضية مشتركة في العقيدة الاقتصادية. فهذه الحركة ينحصر ايمانها وولاؤها، في الميدان الاقتصادي في تقديس الملكية الخاصة واقتصاد السوق. واذا كانت قاعدتها الشعبية تمتد الى مختلف طبقات المجتمع، باستثمارها للغطاء الديني، فان قاعدتها الاجتماعية هي، في الأساس، من البرجوازية التجارية
مرّت الشعوب العربية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في مرحلتين أساسيتين. تمثّلت الأولى بالخلاص من نظام الحكم الاستعماري الأوروبي، الذي ورّث السلطة، من بعده، الى تحالف ممثلي الاقطاع مع ممثلي الفئات العليا من البرجوازية، ولا سيما التجارية. ولم يحقق هذا التحالف خلال فترة حكمه أي انجاز يذكر، يفتح الطريق أمام مرحلة التصنيع والحداثة، ولا حقق شيئا من مستلزماتهما الضرورية، وفي المقدمة الاصلاح الزراعي، والاصلاح الديني - أي فصل الدين عن الدولة - بل اقترن سجلّه خلال تلك المرحلة بالنكبة الفلسطينية وما كشفته من عجز وتواطؤ هذا التحالف في وقوع هذه النكبة. بينما تمثّلت المرحلة الثانية بوصول الجناح غير الديموقراطي من البرجوازية الصغيرة الى السلطة، ممثلا للفكر القومي، عبر الانقلابات. وبينما قدّمت هذه الأنظمة، في تلك المرحلة، الغطاء والنموذج للأنظمة الملكية، في بقية الأقطار العربية، في مجال مصادرة الحريات العامة، بحيث سادت العالم العربي، من مشرقه الى مغربه، سلطة أجهزة القمع البوليسية، فان هذه الأنظمة - ورمزها الأبرز، نظام عبد الناصر في مصر – قامت، في الوقت ذاته، باجرائين تقدميين أساسيين، الأول : في الميدان الاقتصادي – الاجتماعي، وتمثّل في اجراء اصلاحات زراعية، بنسب متفاوتة، وبناء قطاع دولة مؤثر في الاقتصاد الوطني ومن ضمن ذلك بعض التأميمات، ودعم عدد من سلع التموين الأساسية، لصالح الفقراء وذوي الدخل المحدود ؛ بينما الاجراء الأساسي الثاني تمثّل في محاولات تحقيق الوحدة العربية.
لكن هذه المسيرة حملت في أحشائها، ومنذ البدء، خللا عضويا خطيرا. فتحقيق انجازات في مجال الديموقراطية الاجتماعية، مع اغلاق صمّامات الديموقراطية السياسية، بحيث تحرم القوى الاجتماعية، التي تستفيد من هذه الاصلاحات أن تنتظم وتحرس بوعي هذه المنجزات، بينما تستثار القوى الاجتماعية التي تتضرّر من هذه الاجراءات، كان لا بدّ وأن يفضي، في آخر المطاف، الى طريق مسدود، والى تعريض هذه المنجزات، مهما بلغت، الى الضياع.
وكان انهيار الوحدة بين سورية ومصر عام 1961، بمثابة ضوء احمر، أطلق الانذار الجدي بأن هذا النهج غير الديموقراطي في التعاطي مع القضايا الأساسية للشعوب العربية مصيره الفشل، ولو بعد حين. ومعلوم أن هذه الوحدة قد أعلنت في شباط 1958 بترتيبات فوقية، بين ضباط في الطرفين المصري والسوري، وعلى أساس تحريم الحياة الحزبية وكبت الحريات، واتخذت شكل وحدة اندماجية، منذ البدء، دون مراعاة للفوارق بين المجتمعين، التي تتطلب التدرّج بعملية الوحدة على مراحل، أخذا بالحسبان لهذه الفوارق. وبينما كبّل هذا النهج لدولة الوحدة الجماهير العريضة التواقة لتحقيق الوحدة العربية، ترك الميدان، موضوعيا، للقوى المعادية لهذه الوحدة تنشط فيه، مسلّحة بما لديها من امكانات مادية، ومن دعم مباشر وغير مباشر من القوى الامبريالية والصهيونية، التي تناصب اية خطوة وحدوية عربية تحررية بالعداء الحازم.
وأخيرا، أسفر الامعان في السير على هذا النهج غير الديموقراطي، الذي يكبل الحركة الواعية والمنظمة للجماهير، ويعزلهاعمليا عن المشاركة بثقلها المقرر في المعركة، بخاصة في مراحل حاسمة من المواجهة المصيرية مع قوى الرجعية الداخلية والتحالف الامبريالي – الصهيوني، الى هزيمة حزيران 1967 المدوّية. وكانت هذه الهزيمة بمثابة الحكم القاطع على فشل برنامج القوى القومية العربية، وضربة قاصمة لفكرها. ومنذئذ، لم تتمكن هذه القوى في الساحة العربية من تخطّي آثار هذه النكسة، رغم بقاء بعض جيوبها، ممثّلة بنظام البعث في العراق، حتى الغزو الأميركي عام 2003، وفي سورية، التي يصارع النظام فيها، اليوم، للبقاء.
وخلال المرحلتين السالفتي الذكر كان اليسار، وبخاصة الماركسي، هو الأكثر عرضة للملاحقة والقمع ؛ وبالتالي، للحرمان من الاتصال الحر بالجماهير. وبرغم ذلك، لعب هذا اليسار دورا طليعيا في المعارك التي وقعت في المرحلة الأولى، لاستكمال الاستقلال السياسي ودرء محاولات جرّ المزيد من البلاد العربية، بعد العراق – في حينه - الى منظومات الأحلاف العسكرية الغربية، كما بدا ذلك بسطوع في أدوار هذا اليسار في قيادة الانتفاضات التي أسقطت معاهدة صدقي – بيفن، في مصر، عام 1946؛ ومعاهدة صالح جبر – بيفن (سميت في حينه، كذلك، معاهدة بورتسماوث ) في العراق 1948؛ وأفشلت جرّ الاردن الى حلف بغداد، عام 1955، وغيرها.. بالمقابل، لم ينجح، هذا اليسار، في المرحلة التالية، التي أعقبت تصفية نظام الحكم الكولونيالي وشبه الكولونيالي، في تحديد المهام الأساسية لتلك المرحلة الجديدة، واصطفاف القوى فيها، وخارطة التحالفات خلالها : الحلفاء الاستراتيجيون والتكتيكيون، وطبيعة التناقضات السائدة، والتمييز بين التناقضات التناحرية وغير التناحرية، والحلقة المركزية التي تجرّ وراءها بقية الحلقات في الفترة المعينة، والانتباه، في الوقت المناسب، الى نقل التركيز الى الحلقة التي تحلّ محلها في الأهمية، نتيجة المتغيّرات، بحيث لا يتواصل التركيز على ما غدا ثانويا على حساب ما أصبح رئيسيا، وغيرها من قضايا الاستراتيجية والتكتيك.
والمغزى الأساسي من تجارب اليسار الماركسي، خلال المرحلتين السالفتي الذكر، أن الارهاب وحده غير كاف لتفسير فشله في المرحلة الثانية، بينما نجح بامتياز في المرحلة الأولى، رغم وجود ذات الارهاب. وهنا، يأتي الاعتقاد بأن التأثر بالمنظومة الفكرية السوفياتية، من باب الثقة بحليف استراتيجي في مستوى الاتحاد السوفياتي آنذاك، أسهم في هذا الفشل. بمعنى آخر: بمقدار ما كان يجري استلهام التحليلات والاستنتاجات السوفياتية، وبخاصة فيما يتعلّق بقضايانا الوطنية والقومية في مرحلة ما بعد الاستقلال السياسي، في ظروف تشابك وتوطد علاقات الدولة السوفياتية ببعض الأنظمة العربية، آنذاك، أخذا في الحسبان أن هذه التحليلات والاستنتاجات هي، في آخر المطاف، في خدمة أهداف الدولة السوفياتية.. بمقدار ما كان ذلك يضعف الحافز الذاتي للاجتهاد والبحث الدؤوب لدراسة وتحليل مشاكل مجتمعاتنا الوطنية والقومية واستنباط الحلول الملائمة لها. وهكذا، فحين انهار الاتحاد السوفياتي، تكشّفت الآثار السلبية لهذه الاتكالية. عدا ذلك، فقد تخلّف هذا اليسار، في وقت لاحق، في عملية تجديد دمائه، وترهلـت قياداته وتدجّنت مع الأمر الواقع، وغدت قوة محافظة من الناحية الفعلية، يستهويها العمل المكتبي، بينما هي تعرقل وصول الدم الجديد، الفتي والشاب، الى جسم التنظيم وشرايينه، وهو الكفيل بالتجاوب المرهف مع الجديد، وبالتالي، استنهاض هذا اليسار، في وقت تسارعت فيه التطورات، في مختلف المجالات، وتفاقمت الأزمات المتنّوعة التي تطحن الطبقات الكادحة والفقيرة، وازدادت حاجة هذه الطبقات الى قيادة واعية ثورية، تحدد لها الهدف وتسير على رأسها نحوه.
على صعيد آخر، وفي هذه الفترة – أي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي – لم تنتبه هذه القيادات المترهّلة الى خطورة ظاهرة المنظمات غير الحكومية، كاحدى آليات الليبرالية الجديدة، في الظرف الراهن من تطور العولمة الرأسمالية، هدفها الأساسي، اي هذه المنظمات غير الحكومية، الحلول محل المجتمع المدني في البلدان النامية، وتزييف دوره المتزايد في الأهمية والتأثير، وحرف توجهاته الوطنية المعادية للهيمنة الخارجية. وهكذا، جرّدت شبكة المنظمات غير الحكومية، المسلحة بالمال من المصادر الغربية، اليسار الى حدّ خطير من شبكة علاقاته بالجماهير، وحتى من بعض كوادره المتقدمة، لتزاحمه وتحتل مكانه الى حد كبير. وقد تكشفت خطورة هذه التحوّلات، بنوع خاص، لدى اندلاع ثورة التغيير العربية، منذ بداية العام الجاري، حيث بدا مدى عجز هذا اليسار وتخلّفه عن حركة الجماهير العفوية ؛ مما راح يطرح ضرورة وقوع انتفاضة في أوساط هذا اليسار تعيد له حيويته وشبابه، وقدراته على قيادة الجماهير الكادحة، فكريا وتنظيميا وسياسيا في ساحات المواجهة والصراع، الوطني والطبقي؛ والاّ، فالرهان يتحوّل نحو بديل تفرزه التطورات الثورية المتسارعة. فوجود هذا اليسار هو، في آخر تحليل، ضرورة موضوعية، وليس مجرد رغبة ذاتية ؛ فحين ينضج العامل الموضوعي للثورة، أي الوصول الى حالة لا تعود الطبقات المحكومة تحتمل مواصلة العيش في ظل نفس الشروط ولا تعود الفئات الحاكمة قادرة على مواصلة الحكم بنفس الأساليب.. حينها، يقرّر توفّر العامل الذاتي أو غيابه – أي القيادة الثورية - تحقيق الثورة للأهداف المرجوّة، أو اجهاضها، أو اطالة أمد المعركة والمرور بمرحلة انتقالية ؛ والحالة الأخيرة تشترط استمرار الوضع الثوري وتصاعده، بحيث ينضج العامل الذاتي في نار المعركة وخلالها.
- أسباب صعود الاسلام السياسي
وهكذا، فمع هزيمة التيار القومي، وفشل التيار اليساري في أن يكون البديل الناحج، فقد نشأ فراغ، في وقت كانت مشاكل الجماهير العريضة تتفاقم وتتعقّد، على مدى أكثر من أربعة عقود. وحين تيأس الجماهير من ايجاد حلول لمشاكلها على الأرض تتطلّع الى السماء. وكان أن تقدم الاسلام السياسي، الذي يزعم أنه مبعوث هذه السماء، لملء هذا الفراغ. وحينها –وكان ذلك منذ أواسط السبعينات من القرن الماضي تقريبا – راح هذا الاسلام السياسي، في عدد من البلاد العربية، يتلقى دعما ماليا غزيرا من السعودية ودول الخليج، ما أتاح له ارساء بنية تحتية لتوسيع نفوذه السياسي والفكري، وذلك باقامة شبكة مؤسسات اقتصادية خاصة به ومؤسسات اجتماعية، كالمستوصفات الطبية ورياض الأطفال والمدارس وغيرها، والتي تنشر وتعمّم، في الوقت ذاته، أفكار وأيديولوجية هذا الاسلام السياسي؛ علما بأن هذا الاسلام السياسي كان محدودا ومقزّما، خلال صعود التيار القومي وانجازاته، بقيادة عبد الناصر.
وحين تفجّرت ثورة التغيير العربية، بطابعها العفوي، على أيدي شباب غير مؤطّر، بشكل عام، في تنظيمات وأحزاب سياسية، بعد أن بلغ مستوى الفقر والتهميش، وعدم القدرة على احتمال نظام القمع البوليسي، درجة الغليان، ونزلت الجماهير الغاضبة الى الشوارع بالملايين، في العديد من البلدان العربية، تباعا ؛ حينئذ، لم تجد هذه الجماهير القيادات المجربة، لا اليسارية ولا القومية، المؤهلة لقيادة ثورة التغيير هذه. وبينما فرضت هذه الحالة على الشباب الذي فجّرها ولوج دروب التجربة والخطأ المكلفة، جرّاء افتقارهذا الشباب للتجربة المطلوبة والهدف الواضح، حيث اقتصرت رؤياه، الى حدّ كبير، على التطلّع لهدم نظام القمع البوليسي، بينما لم يمتلك رؤيا مماثلة للبديل المطلوب، ولخارطة التحالفات الطبقية والسياسية للوصول اليه، وللخبرة الضرورية لخوض هذه المعركة في ميدان الاستراتيجية والتكتيك الثوري ؛ فان هذا الوضع اتاح لتنظيمات الاسلام السياسي، ولا سيما تنظيم الاخوان المسلمين، الذي لم يكن دوره لا طليعيا ولا رئيسيا في هذا الحراك الشعبي، بل ذيليا ومتربّصا.. أتاح له هامشا واسعا للمناورة بين القوى المتصارعة، لتجيير أكبر قسط من ثمار هذه المعركة الى رصيده، مجنّدا كل طاقاته وتحالفاته الاقليمية والدولية لهذا الغرض، ومستثمرا تميّزه بوجود قياداته المتمرسة، كتنظيم دولي، جاهزة. وقد تأتّى لهذا التنظيم الحفاظ على تشكيلاته وقياداته، رغم تعرّضه للملاحقة من بعض الانظمة العربية، بالاستفادة من الغطاء الديني في مجتمعات مؤمنة.
من جانب آخر، حين عجزت واشنطن عن حماية أتباعها:حسني مبارك وزين العابدين بن علي، من السقوط، لم تتردّد في التوجّه للتفاهم مع حركة الاخوان المسلمين، لعقد صفقات معها، وعلى مستوى المنطقة، لتكون الوريث لهؤلاء المتساقطين وأمثالهم. والغزل بين واشنطن وهذه الحركة لم يعد سرا، بل جرى الاعلان عنه أكثر من مرّة ومن المصادر الأميركية ذاتها ؛ علما بأن اتصالات واشنطن مع هذه الحركة تعود الى سنين خلت. ومثل هذا اللقاء والتعاون بين حركة الاخوان المسلمين وواشنطن ليس بالأمر الشاذ ولا الجديد في تاريخ هذه الحركة ؛ بل ان تاريخها حافل بحالات الالتقاء وعقد الصفقات مع فصائل الرجعية المحلية والامبريالية الدولية. على سبيل المثال، لا الحصر، اصطفت هذه الحركة طيلة فترة الحرب الباردة الى جانب المعسكر الامبريالي وضد المعسكر الاشتراكي، وتحالفت مع حكومة اسماعيل صدقي، حليفة بريطانيا، عام 1946، لفرض معاهدة انكليزية جديدة على مصر ؛ وتآمرت مع القوى الامبريالية ضد نظام عبد الناصر وحاولت اغتياله ؛ وتصدّت مع قوى السلطة الرجعية للمظاهرات الجماهيرية ضد الانقلاب الرجعي المدعوم اميركيا في الأردن، عام 1957، وهادنت الاحتلال الاسرائيلي، في الأراضي الفلسطينية منذ وقوعه في حزيران 1967 ولم تحرّك ضده ساكنا على مدى عقدين من الزمن، بينما كرّست جهودها، آنذاك، لمحاربة اليسار الفلسطيني الذي كان يقود النضال ضد هذا الاحتلال في الداخل، وهي اليوم تمثل الرهان الأول للقوى المتآمرة على سورية، بقيادة الولايات المتحدة.
أما واشنطن من جانبها، فلا ترى في التحالف مع هذه الحركة خطرا على مصالحها في المنطقة. مأخوذ في الحسبان، علاوة على سجل هذه الحركة السابق، أن لهذا التحالف أرضية مشتركة في العقيدة الاقتصادية. فهذه الحركة ينحصر ايمانها وولاؤها، في الميدان الاقتصادي في تقديس الملكية الخاصة واقتصاد السوق. واذا كانت قاعدتها الشعبية تمتد الى مختلف طبقات المجتمع، باستثمارها للغطاء الديني، فان قاعدتها الاجتماعية هي، في الأساس، من البرجوازية التجارية. ولما كانت هذه الطبقة قد عرفت تحولاّ نوعيا في العقود الأخيرة، حيث غدت، الى حدّ كبير، كومبرادورية، اي وكلاء لشركات أجنبية، فهذا يرسي قاعدة الالتقاء والتعاون السياسي أيضا، وليس فقط التجاري، مع الممثلين السياسيين لهذه الشركات، أي الحكومات الغربية.
وحين جرت جولة الانتخابات، في كل من تونس ومراكش ومصر، فقد عكست نتائجها ليس فقط تأثير العوامل المشار اليها أعلاه، والتي تشكلت على مدى أكثر من أربعة عقود، بل وحصيلة عوامل أخرى، آنية، فرضت نفسها على الساحة لصالح الاسلام السياسي :
أول هذه العوامل أن هذه الانتخابات جرت بينما الشباب الذي فجّر ثورة التغيير ما يزال منهمكا، وبمزيد من التعقيد، في صراع مصيري مع أتباع النظام القديم الذين ما زالوا يمسكون بمفاتيح السلطة الى حدّ بعيد ؛ كالمجلس العسكري في مصر، وبالتالي، لم تتسع لهذا الشباب الفرصة الكافية لتعبئة أنفسهم والتيار الذي يدعمهم في تنظيمات تخوض الانتخابات، التي هي بدورها تجربة جديدة عليهم ؛ بينما الاسلام السياسي المتمرّس، ولا سيما تنظيم الاخوان المسلمين، نأى بنفسه عن المشاركة في هذا الصراع، وتفرّغ لعقد الصفقات مع امتدادات النظام القديم – كما هو في الحالة المصرية – وحضّر نفسه لهذه الانتخابات ؛ ومن الجانب الثاني، فحيث غدا هذا الاسلام السياسي رهان واشنطن ومن يسيرون في ركابها في المنطقة لوراثة الحكام المتساقطين، فقد حظي بدعم مادي واعلامي غير مسبوق، لتأمين فوزه. أما الأحزاب الأخرى التي فقدت الكثير من مصداقيتها كنتيجة لمهادنتها النظام القديم، فقد انعكس هذا على أدائها المتواضع في هذه الجولة من الانتخابات. وهكذا، فقد جرت هذه الانتخابات في أفضل الأجواء والشروط للآسلام السياسي، وخاصة حركة الاخوان المسلمين. لكن يمكن الاعتقاد بأن نتائج هذه الجولة، مهزوزة وعلى رمال متحركة للاعتبارات التالية : أن الحراك الشعبي مستمر ومتواصل من قبل القوى الحقيقية التي فجرته وقادته، لتحقيق أهداف هذا الحراك، التي ما تزال شعارات، الى حدّ بعيد ؛ ب – واقع المنافسة والصراع بين فصائل الاسلام السياسي ذاته، الذي بدا خلال الحملة الانتخابية، ومن المتوقع تصاعده في الصراع على السلطة ومواقعها، وعلى تفسير الشريعة وأحكامها ؛ ج – ان التواطؤ، في الحالة المصرية ذات الأهمية الخاصة، بين الاسلام السياسي والمجلس العسكري، على التصدّي لمطالب شباب الثورة، بسنّ دستور جديد واشراف مدني على كامل العملية الدستورية بما فيها الانتخابات، وعدم تدخل الجيش في مجمل هذه العملية السياسية وغيرها ؛ بالاستعاضة عن كل ذلك بترقيعات دستورية، واستعجال اجراء الانتخابات، وحتى قبل الغاء الأحكام العرفية والمحاكم العسكرية ؛ ان هذا التواطؤ يتتوّج، الآن، بعد هذه العمليات الاجهاضية باندلاع الصراع على السلطة بين الطرفين المتواطئين، أي الاسلام السياسي ولا سيما حركة الاخوان المسلمين والمجلس العسكري ؛ د – التحدي الذي سيواجه الاسلام السياسي في التعاطي مع المطالب السياسية والاجتماعية، التي أدت الى انفجار ثورة التغيير، وهذا هو التحدّي الأكبر.
(يتبع)
