*قراءة في كتاب: التهديد من الداخل: المجتمع الإسرائيلي بين كماشة الحرديم؛ يوفال إليتسور؛ إصدار: كرمل؛ 136 صفحة (بالعبرية)*
أسفرت انتخابات "الكنيست الأولى لعام 1949" عن فوز حزب "المباي"، الذي تحوّل إلى حزب "المعراخ/ العمل" لاحقًا بـ 46 عضوًا. وفاز حزب "المبام" الاشتراكي الصهيوني حليف "المباي" التاريخي هو الآخر بـ19 عضوا. وفازت القائمة العربية العميلة المرتبطة عضويًا بالـ"مباي" وبعض الأحزاب الأخرى بعدة أعضاء آخرين. الأمر الذي هيأ الوضع لأن يقوم "بن جوريون"، زعيم "المباي" بتشكيل حكومة ائتلافية معها. إلا أنه آثر أن يستثني "المبام" الشريك الطبيعي لـ"مباي"، ويشكلها مع الأحزاب الدينية كشركاء أساسيين (والقائمة العربية العميلة وبعض القوائم الصغرى).
سوّغ "بن جوريون" خطوته هذه بأنه لا يريد "المبام اليساري المتطرف"، ويريد وحدة المجتمع والشعب. إلا أن فحصًا متأملًا لهذه الخطوة يدعونا للاعتقاد أن خطوته هذه كانت لسببين اثنين يخصّان الصراع معنا نحن العرب:
الأول- يعتبر "بن جوريون" أكثر الزعماء الصهاينة "العلمانيين" وعيًا وإدراكًا لأهمية الدين في المشروع الصهيوني والحياة الاجتماعية في الكيان الوليد، كي يعطي شرعية دينية- تاريخية للكيان، ويبني وحدة المجتمع الوليد على القيم الدينية التي لا يختلف على جوهرها لا المتدينين ولا العلمانيين. لذا أراد تثبيت هذه القيم من خلال التحالف مع الأحزاب الدينية.
والثاني- كان يدرك (أيضًا) الأهمية الديموغرافية في الصراع؛ والتي أطلق عليها أهم تلامذته، "شمعون بيرس": المشكلة والديموغرافية. وبما أن المتدينين يتكاثرون بأعلى معدلات، ليس في الكيان، بل في العالم كلّه، لأن الشريعة اليهودية تأمرهم بذلك وتحظر عليهم تحديد النسل؛ أرادهم منتجين للشرعية الدينية- التاريخية للكيان وجنودًا فيه ضدنا نحن العرب. أرادهم كتائب ضدنا.
الكتاب الذي بين أيدينا لا يتحدث عن هذا ولا عن ذاك. يُعرب الكاتب في مقدمته عن قلق شديد على مستقبل الدولة والكيان- من وجهة نظره كليبرالي يهودي- لأن الـ"حرديم" (اليهود الأصوليين) فقراء لا يعملون، ويتكاثرون بمعدلات عالية، ولا يخدمون في الجيش (ص 6- 9). عمليًا هذه هي محاور الكتاب الذي يتحدث فيه الكاتب عن القضايا التي يراها مخاطرًا بما يخص "الحرديم"، لكن دون أن يشرح لنا أسباب نشأتهم على هذا الحال.
يعتقد الكاتب أن "الحرديم" رغم كونهم أقلية عددية، خاصة بعد موجات الهجرة الروسية التي بدأت في بداية التسعينات من القرن الماضي، ورغم أقليتهم التمثيلية في الكنيست، إلا أنهم انتصروا في معركتهم مع العلمانيين. لأنهم تمكنوا من فرض العديد من أجنداتهم على الحياة في الكيان وثبتوها بواسطة تشريعات مختلفة، مثل: قوانين الأحوال الشخصية.. والغذاء.. والحفاظ على حرمة السبت. وعندما كانت الأغلبية تحاول سنّ القوانين التي تعارض منطلقهم، كانوا يضغطون من أجل الحفاظ على الوضع القائم. فتمكنوا بذلك من التأثير على العديد من رؤساء الحكومات. ونجحوا بالفعل (ص 10-34).
ما يقوله الكاتب ليس دقيقًا، فالمستعمرون في الكيان يدركون جيدًا- مثل "بن جوريون"- أهمية الدين والتراث في مشروعهم الاستعماري، لذا فهم لا يطالبون بفصل الدين عن الدولة بالكامل كعلمانيين حقيقيين. بل أن الغالبية تمارس الطقوس الدينية في الولادة والتثبيت والزواج والموت. وكذلك يُعَيّدون كل الأعياد الدينية التي تنصّ عليها الشريعة الدينية، التي هي أعياد رسمية في الكيان. ويقبلون بخرافة "العودة إلى أرض الآباء والأجداد" ويرون أن ما فعلته السياسة ليس إلا تمشيًّا مع هذا الجوهر الماهوي في هويتهم.
إن أشدّ ما يُقلق الكاتب هو عدم خدمة قطاع واسع من "الحرديم" في الجيش، لأنهم يعتقدون أن دراسة أصول الدين أهم من الخدمة العسكرية. ومن هذا المنطلق تمكنوا من سنّ بعض القوانين التي تعفيهم من الخدمة، وتسهّل على الراغبين منهم بالخدمة العسكرية أن يخدموا في وحدات خاصة تحافظ على نمط حياة ديني (ص 35- 50). ويعتقد الكاتب أن في هذا تهديد لوحدة الجيش (ص 79- 89).
*لا يريدون شركاء لهم في هذه الثروة*
في هذه القضية يُغالط الكاتب في عرضه لأفكاره وتحليل مواقفه. لأنه لا يريد أن يعترف بأن الجيش بالنسبة للنخبة الأشكنازية الحاكمة ليس المُدافع عن مشروعها الاستعماري فحسب، بل عَرَبة توصلها إلى مناصب راقية في السياسة والاقتصاد. فبعد الخدمة العسكرية الإلزامية والاختيارية يلتحق كل منهم بمهنة تناسب الرتبة والمهارة الأكاديمية التي أنهى فيها خدمته. ولذلك فهم لا يريدون شركاء لهم في هذه الثروة. فحتى منتصف التسعينات كان يتم استيعاب قيادة الجيش (التي تتقاعد في سن الـ41) في الشركات والمؤسسات الحكومية المختلفة. لهذا احتكروا قيادة الجيش لهم كعربة من أجل التقدم نحو مستقبل أفضل والحصول على أكبر حصة من الثروات المادية والاجتماعية والمعنوية في "الحياة المدنية". أما اليوم، وبفعل الخصخصة، فقد اتجهت قطاعات واسعة من المتدينين للخدمة في الجيش لأسباب عقائدية واقتصادية، لأن العمل في الجيش بعد قضاء سنوات الخدمة الإلزامية الثلاث يعود بالمنفعة المالية الكبرى من حيث الرواتب الممنوحة والامتيازات الأخرى. ومن أجل الاندماج، ليس المقصود الاندماج في القطاع العام لأن خصخصته تمت بالفعل، بل في القطاع الخاص الذي يحابي الجيش والعسكر. ومنذ أواسط تسعينات القرن الماضي، صار المتدينون يمثلون أعلى نسبة بين ضباط الجيش، بعد أن كانت الأغلبية محسوبة على الأشكنازيين من سكان المستعمرات الزراعية.
يُعَبِّر الكاتب عن قلقه من عدة قضايا: اضطهاد "الحرديم" للنساء، لأن الشريعة هي التي تضطهدهن وتمنع مساواتهن بالرجال (ص 67- 78). وجمعهم المال بواسطة التجارة بالدين (ص 99- 106). وبناؤهم شبكات خاصة في مجالي التربية والتعليم، الأمر الذي أدى إلى احتضار التعليم الرسمي بينهم (ص 108- 118). وتغليبهم قوانين الشريعة على القوانين المدنية ورفضهم سنّ دستور للدولة (ص 126- 129).
يحاول الكاتب حصر هذه القضايا بالمتدينين. علمًا أن قطاعات لا بأس بها من المجتمع "الإسرائيلي" تشترك بها. فالقانون لا يتحدث بشكل حازم وجازم عن مساواة النساء بالرجال، وكل التقارير التي تتحدث عن هذا الحقل تؤكد غلبة الرجال على النساء في كل القطاعات والمستويات (كالحال في كل المجتمعات الإنسانية). ولا يمنع التكسب بالدين أو أية عقيدة أخرى، طالما أن المتكسب يدفع ضريبة للدولة. وهنالك العديد من المجموعات الغنية أنشأت وتنشئ مدارسها الخاصة، لأنها تريد تغليب قيمها على أية قيمِ أخرى. ولا تدرك الغالبية العظمى أهمية الدستور بالنسبة للدولة، وذلك لضعف الثقافة الديمقراطية- المدنية فيها .
وبما أن الكاتب قلق على مصير الكيان فإنه يقترح خطة من أربعة بنود للتغلب على المشاكل التي يعاني منها المتدينون والدولة: 1- فرض تعليم المواضيع التي تعتبر أساسية في مدارسهم وهي: الإنجليزية والرياضيات والعلوم والمواطنة، لأن غالبية مدارسهم لا تُدرس هذه المواضيع؛ 2- مبادرة الحكومة بتعليم خريجي المدارس الدينية في الجامعات شأنهم كشأن العلمانيين؛ 3- تشجيع المتدينين على العمل في مهن لم يطرقوها من قبل؛ 4- وتشجيعهم للتطوع في الخدمة المدنية التي هي بديلًا للعسكرية (ص 51- 60).
نستنتج من الخطة التي يضعها الكاتب بأنه لا يريد أن يفهم أن النظام في الكيان يعمل على خصخصة القطاع العام ويريد تخفيض نفقاته، لذا يشجع بشكل ضمني ما يفعله المتدينون، أي إقامة شبكات تربوية وتعليمية من حضانات ومدارس وكليات متوسطة، كي يخفف اعتمادهم على القطاع العام. وكذلك- أي الكاتب- لا يريد أن يفهم أن خطة "بن جوريون" بتخصيص المتدينين لإنتاج الشرعية الدينية- التاريخية للكيان وتكاثرهم مقابل التواجد العربي في فلسطين، أصبحت الخطة التي تطبقها حكومات الكيان كافة: أي كتائب في الحروب الدينية والديموغرافية ضدنا. وإلا كيف نفهم عدم تطبيق الخطة التي يقترحها الكاتب وآخرون طبعا، علمًا أنها لا تكلف الكثير وتعود بالفائدة المستقبلية على المجتمع والاقتصاد؟
وأخيرًا، مع بدء "ربيع اليهود" الذي هو خريف العرب بامتياز، بدأت الحكومة بترجمة ما أقوله حرفيًا: بما أن اليهود الأشكنازيين من الطبقة الوسطى لا يريدون الاستيطان في المدن المختلطة كاللد والرملة وعكا والمثلث والجليل. ولأنها تريد من طرفها تهويد هذه المناطق، صادقت الحكومة في شهر كانون الثاني الماضي على إقامة 500 وحدة سكنية لليهود الحرديم في مدينة اللد. ومع بداية "ربيعهم"، خريفنا، صادقت (أيضًا) في شهر آب 2010 على إقامة مستعمرة "للحرديم" ما بين بلدة أم الفحم والضفة الغربية، وصادقت كذلك على أقامة 5600 وحدة سكنية في مستعمرة نتسيرت عيليت حيث يبعد أقرب بيت فيها من قرية عين ماهل القريبة 50 مترًا فقط لتزيدها حصارًا على حصار. وسنرى لاحقًا إقامة مستعمرات وأحياء استعمارية يهودية جديدة في المثلث والجليل "للحرديم"، والهدف هو الصراع الديموغرافي، أي إكثار عدد المستعمِرين اليهود مقابل عدد العرب والحفاظ على إنتاج الشرعية الدينية وكتائب للكيان في حربه الديموغرافية ضدنا. أما بناء المستعمرات في الضفة الغربية، فهو لا يتوقف على مدار الساعة.
