تحرّش رياضيّ

single

من المفروض أن تكون الرياضة نشاطًا إنسانيًّا جميلاً ومفيدًا للرياضيّين أنفسهم ولغيرهم من المهتمّين بجوانب هذا النشاط، وهي كثيرة بلا شكّ، وخاصّة عندما تجتذب عددًا كبيرًا من المؤيّدين والمعجَبين بهذا النّوع الرياضيّ أو ذاك الفريق أو بواحد من النّجوم اللامعين.
   وبهذا التأييد والإعجاب تقترب الرياضة من الفنّ، ممّا يكسبها مزيدًا من الرقيّ الحضاريّ ليصبح لها أهداف عظيمة في مجال الثقافة والتربية التي ترمي إلى بناء شخصية الإنسان الاجتماعية بشكل سليم،  وتنمّي فيه القيم الأخلاقيّة السّويّة، ممّا يولّد عنده الشّعور بالإنتماء العقلانيّ والعاطفيّ لمجتمعه الخاصّ والعامّ.
   لا يعيش الإنسان في هذه الحياة بواحد فقط، العقل أو العاطفة بل بهما معًا، فالعقل يكبح جماح العاطفة المنفلتة والعاطفة ترطّب بماء حيويّ العقل المجرّد والجافّ، وهذا هو الإنسان الذي هو ليس ملاكًا ولا شيطانًا، ليس حيوانًا ولا نباتًا ولا جمادًا.
   أنا ممّن يغلّبون الاهتمام بالسياسة على الاهتمام بالرياضة، بل لا تحظى الرياضة عندي باهتمام إلاّ على مستوييْن: ألفنّي كلعبة الجمباز والسياسيّ بمعنى أنني أميل إلى تأييد الفرق من الدول الفقيرة وأحبّ أن تفوز على الدّول الغنية، فإذا لعبت كوريا الشّماليّة مع أميركا فستجدني تلقائيّا مع كوريا، ضاربًا عرض الحائط بالجانب الفنّي، وكذلك إذا لعبت توغو مع إيطاليا، أو تراني أقف مع المنتخب القوميّ لدولة ما حسب موقفها السياسيّ من القضية الفلسطينيّة، فلتلعب فرنسا أو إنجلترا بأعلى ما عندهما من فنّ كرويّ لكنّي سأكون مع البرازيل أو مع جنوب أفريقيا أو مع إيران، وبالطّبع سأتحيّز لمنتخب الجزائر وأريدهم أن يعودوا إلى بلادهم وهم يحملون الكأس، وذلك بهاجس من شعوري القوميّ العربيّ، مع أنني أتفهّم أصحاب الرأي المعاكس، وحبّذا لو انتهت المشاكل السياسية من العالم لكنت قضيت حياتي في ملاعب الرياضة وليس في ميادين الاعتصامات ولا في شوارع المظاهرات.
   ومع ذلك لا يمكن الفصل بين الأحداث الرياضيّة والأجواء السياسيّة السّائدة دوليًّا، وبالذّات في حدث رياضيّ كبير كالمونديال الذي يقترب موعد افتتاحه في جنوب أفريقيا، والذي يحظى باهتمام الأسرة الدوليّة جمعاء وملايين الأفراد ومن كافّة المستويات الاجتماعيّة والاقتصاديّة وكافّة المشارب القوميّة والوطنيّة.
   فالميل والتأييد الرياضيّ بالذات أمر من طبيعة البشر، ومن حقوقهم الأساسيّة والطبيعيّة، ولكن الرياضة يجب أن تهذّب النفس وتقرّب بين النفوس، وليس هذا ما يحدثُ في كثير من الأحداث الرياضيّة، فبدل أن تساعد الملاعب في الحدّ من مظاهر العنف، نرى وللأسف أنّها غدت أماكن لتوليدها، وليس من نافل القول انّ الرياضة كالتعليم والتربية إذا وُضعت في ميزان الربح والخسارة الماديّة فقدت الكثير من معانيها الجميلة والرائعة. ألا نلاحظ أنّه من المعيب والغريب أن يكون ثمن لاعب نجم في موسم رياضيّ مكوّن من عدّة أشهر يفوق الإنتاج القوميّ لدولة ما. أليس من المخجل والظّالم إنسانيًّا وأخلاقيًّا أن يعيش فرد براتب يوميّ يُقدّر بثلاثين ألف دولار أسبوعيًّا وتسعون بالمئة من النّاس في مختلف دول أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينيّة لا يتقاضوْن مئة دولار في الشّهر؟
   ينعكس التأييد في مجتمعنا العربيّ هنا للفرق القوميّة المشاركة في المونديال بتعليق الأعلام فوق المنازل، فأينما تمرّ في قرانا ومدننا ترى البيوت مزدانة بالأعلام ذات الألوان المختلفة، منها ما تعرفه ومنها ما لا تعرفه، وقد تجد فوق البيت الواحد أكثر من علم، ممّا يدلّ على أنّه في الأسرة الواحدة أكثر من رأي، وهذا أمر جيّد وصحيّ على المستوى الموضوعيّ.
   ولكنني عندما أرى علم فرنسا أتذكّر فرنسة الجزائر ونفاق ساركوزي وأكره الدّيمقراطيّة وأرغب في لبس الحجاب.
   وعندما أرى علم إنجلترا لا أنسى وعد مَن لا يملك لمَن لا يستحقّ.
   وعندما أرى علم ألمانيا لا يسعني إلاّ أن أخاف من الوحش النّازيّ هناك وسرطان الفاشيّة هنا.
   وعندما أرى علم إيطاليا أحنّ في هذا الزمن الردئ إلى عمر المختار.
   وعندما أرى علم أميركا أعلم بيقين أنّ الحلّ بعيد وأنّ نكبة شعبي ستطول.
   وعندما أرى علم هولندا أخاف الحمّى المالطيّة وجنون البقر وأنفلوانزا الخنازير.
   وعندما أرى علم اسبانيا أتذكّر عبد الرحمن الدّاخل ومحمّد الصغير الخارج وأبكي على أطلال طليطلة وغرناطة وقرطبة وأشتهي رؤية ولاّدة وابن زيدون في عناق لا ينتهي.
   وأنا الذي لم يعلّق على بيته إلاّ العلم الأحمر، علم الحريّة والنّضال، علم العمّال والمعذّبين في الأرض، علم الشّيوعيّة والكفاح الطّبقيّ، تراني في معمعة الأعلام هذه في حيرة من أمري، أيّ علم أعلّق لأظهر أنني مع الحدث؟ ولست متخلّفًا عن صرعات الحضارة الحديثة وهوس التأييد لمنتخب ما، وحسب السّوق منسوق.
   سألت في حوانيت الأعلام، في كابول وعرابة وسخنين والناصرة وطمرة وبعض البلدات التي كانت في طريقي عن علم كوريا، وكنت قد نسيت أن أقول الشماليّة، فقالت البائعة التي لا تعرف الشمال من الجنوب: نعم موجود، وفردت علم كوريا الجنوبية. فقلت: أريد علمًا نقيض هذا العلم وغيره من الأعلام. وقال أحدهم في دكّان آخر: لا تتعب نفسك، فأنت أوّل مَن سأل عن علم هذه الدّولة وأظنّك ستكون الأخير، لأنّه ليس من الأعلام المربحة ماليًّا.
   نعم الميل الرياضي يجب أن يكون تعبيرًا عن الموقف السياسيّ، ولذلك لن أؤيّد لا فرنسا ولا إنجلترا ولا أميركا ولا إيطاليا ولا ألمانيا ولا اسبانيا ولا هولندا، وكلّ ما عندهم من أداء فنيّ لا يهمّني بشيء.
وكم أتمنّى أن يعودوا إلى بلادهم بعد الدّور الأوّل بأحذيتهم الذهبيّة وخفّي حنين فتقعقع لهم جماهير بلادهم بالشّنان، وسأبقى أبحث في الحوانيت عن علم كوريا الشّمالية، لأنني شبه متأكّد أنّ هذا المونديال سيكون مونديال المفاجآت، وسيكون نهائي الكأس بين الجزائر وكوريا الشّمالية، واللعب على المركز الثالث سيكون بين نيجيريا وتشيلي، ولينفلق المنفلقون، وليغضب منّي معلّقو أعلام الدّول الكبرى وأنصار الرياضة من أجل الرياضة وجماعة الفنّ للفنّ، واللي مش عاجبو يقلّع حواجبو وليحافظ على عينيه لأنّ غدًا لناظره قريب، وسيرى أنصار فرنسا ومثيلاتها أيّ منقلَب ينقلبون.

 


(كابول)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ركائز فلسطينية ثلاث!

featured

الانهيار أو الاستقرار – مسؤولية اسرائيل!

featured

"ناس بهناها وناس بعزاها"!

featured

مع الفرحة بالعام الجديد يجب عدم نسيان كارثة هيروشيما!

featured

عندما نخلع رداء القبيلة

featured

دلفة السلطة ومزراب السلطات

featured

حنين إلى الماضي من اجل المستقبل