عندما نخلع رداء القبيلة

single

ما زالت ثقافتنا صحراوية ومازالت عقليتنا قبلية، ما زالت تصرفاتنا لا تتعدى حدود العائلة، ما زالت الـ"أنا" تتغلغل في ثنايانا، ما زالت القبيلة هي حامينا وراعينا ومسير حياتنا. ما زال شعارنا الاول "انا واخي على ابن عمي وانا وابن عمي على الغريب"، هكذا يحدث في اقتتالنا البطولي، هكذا نفكر في اعماق عقولنا، اذا لم يكفنا ابناء القبيلة في تنفيذ مهمة القتال، فبامكاننا ان نستورد اقارب من خارج القرية وتصبح فزعة عرب، وتصبح حربا اهلية كحرب داحس والغبراء او كحرب البسوس، ما زلنا نتلفع بجاهليتنا، نأكل بعضنا بعضا على اشياء لا قيمة لها.
نحن شعب له تاريخ وحضارة وتراث أسهم في بناء الحضارة الانسانية جمعاء ولكن تصرفاتنا تقول اننا لسنا شعبا له تاريخ وحضارة وثقافة وتراث، فنحن قبائل وعائلات وأفراد لا رابط بينهم. نحن امة لها دين ولها امجاد وبطولات في الفتوحات والنهضة بحضارة العالم وإخراجه من الظلمات إلى النور، ولكن تصرفاتنا وأفعالنا بل واقعنا يقول اننا مجرد طوائف دينية من سنة الى شيعة الى علويين فدروز ومسيحيين نقتتل فيما بيننا ونكفر بعضنا ويلغي احدنا الآخر باسم احتكار المعرفة المطلقة والحقيقة الساطعة التي لا ينتطح فيها عنزان. فنحن حراس الدين والدنيا ونحن الامرون الناهون باسم الله ورسوله، نفتي ونكفر ونحكم كما نشاء.
نحتكر الحقيقة ولا نعرف منها إلا ما نسمع، نطلق التصريحات والمواقف دون ان نقف دقيقة لنقرا ندرس ونتعلم ومن ثم نتكلم، نبلور شخصيتنا ورؤيتنا من خلال القيل والقال نتبع اهوائنا دون ان نعي ما نفعل.
ها هم التكفيريون والداعشيون يكثرون وينمون يوما بعد يوم ونحن ننكر وجودهم وحتى هم انفسهم لا يعرفون او يتجاهلون انهم داعشيون وتكفيريون، ولكنهم يحملون الفكر والمنطق والرؤيا والبوصلة الداعشية والتكفيرية وهم في كل قرية ومدينة وحارة منتشرون، وهم يفرضون وجودهم على كياناتنا يوما بعد يوم ونحن نكنس تحت البساط ونقول اين هم. اغلب ظني ان التكفيريين والداعشيين يبحثون عن الجنة من خلال سيئاتنا لا من خلال حسناتهم، فهم لا يهمهم ان يصلحونا او يعيدونا الى جادة الصواب كما يعتقدون إلا بمقدار ما يهمهم ان ينالوا من الحسنات ما يدخلهم الجنة على حسابنا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "انصر اخاك ظالما او مظلوما" ففهمناها اننا يجب ان ننصر اخانا على الباطل وعلى الظلم والعدوان، وقد قصد ان "نقوّمه"، ننصره على الحق والحقيقة، فان كان ظالما نرده، وان كان مظلوما أن ننصفه، فأين نحن من هذا!؟
ليس فينا إلا أن نكفر بعضنا ونلغي بعضنا ونعتدي على بعضنا ونخترق حرمة وخصوصيات بعضنا حتى تنشب بيننا الخلافات والصراعات القبلية والطائفية والعرقية التي نغذيها ونرعاها دون أن نعي ونفهم ما نقوم به انها جريمة كاملة بحق أنفسنا أولا، فنتهم الغرب والمؤامرة وما أدراك، انظروا إلى حالنا في جميع البلدان العربية، استمعوا الى صرخات الضحايا والأبرياء، وابكوا ليس على حالهم بل على حالنا.
العنف المستشري في مجتمعاتنا، كلنا نعيش في محرقته، لهيبه سيطالنا جميعنا ان لم نتدارك امرنا ونعي حقيقة ما تقترفه أيدينا. العنف ليس ظاهرة عرضية، ليس وليد اللحظة، وليس خيار شخص بعينه،لا يولد الإنسان عنيفا أو غير عنيف، لا احد في مجتمعنا يستطيع ان يتجنبه لانه ظاهرة مستشرية.
 العنف نتاج تربية تراكمية نربي أولادنا عليها، كنا نعي ونعلم بذلك ام كنا نجهل او نتجاهل ولكنها الحقيقة التي لا نعترف بها. فنتجاهلها ونلقي المسؤولية على غيرنا ونتذرع بأي سبب واه يقنعنا.
ما يحدث في قرانا ومدننا ليس حادثًا عارضًا وليس وليد صدفة، ما يحدث في كفر مندا من نقاش حول اسم دوار لرمز من رموز امتنا – جمال عبد الناصر - لهو منزلق خطير وعملية اقصاء يجب الوقوف عندها والتمعن في مغزاها ومعانيها، ما حدث في قريتنا ليس عارضًا وليس وليد صدفة وليس مجرد خصام بين اثنين وانتهى وهذا يحدث. قريتنا لا تختلف عن اي قرية عربية اخرى بل لا تختلف عن اي دولة عربية أخرى. إن طرح قريتنا وكأنها مختلفة فيه مغالطة هدفها اخفاء الحقيقة والخشية من إظهارها، إنها عملية كنس أوساخنا تحت البساط كي لا ينكشف المستور وتظهر الحقيقة التي تحتاج الى علاج جذري والى تضافر الجهود في جميع المؤسسات للنهوض، بإمكاننا أن نكون متميزين إن كنا واضحين وصريحين.
نحن نتاج تربية، نحن نتاج عادات وتقاليد، نحن نتاج موروث فكري وحضاري كان صالحا أم طالحا، وظيفتنا كمجتمع وكأفراد أن "ننقي القمح من الزيوان"، أن ننظف أنفسنا وتاريخنا وحضارتنا من الشوائب التي علقت به على مر السنين، وظيفتنا ان نتعلم ونتثقف وندرس تاريخنا وعاداتنا وتقاليدنا كي نعرف ما نعطي لأبنائنا ولا نتركهم كالقشة في مهب الريح، لنرحم أنفسنا قليلا ونشفق على الأجيال القادمة كيف ستكون، هل نعي كمجتمع ما نفعل بأنفسنا، ما نفعل لأبنائنا، ما نقدمه لهم، شاعرنا الكبير محمود درويش قال: "الهوية هي ما نورث لا ما نرث، ما نخترع لا ما نتذكر"، فأين نحن من هذا؟
لا احد يحاسب نفسه، لا احد يراجع ذاته، لا احد يريد أن يضع اصبعه على الجرح ويقول- تعالوا نداويه، تعالوا ننظر الى ذاتنا في مرآة أنفسنا، ونكون صريحين معها الى اخر الحدود، سنعرف عندها حقيقة انفسنا، سنعرف بشاعة ما تقترفه ايدينا، وسنعرف عندها أننا لن نصبح شعبا كباقي الشعوب، إلا عندما نخلع رداء القبيلة.
قد يهمّكم أيضا..
featured

وَاسْتَدْرَكَتْ أَخْطاءَها الكَثِيرَة

featured

إسألوا عن المستفيد؟

featured

في بيتنا "داعش"!

featured

مفتاح التهدئة في تل أبيب، لا في غزة

featured

الذَرَّة والذُرِّيَّة

featured

يا فرحة ما تمت!

featured

مصر بين سدّين

featured

في صلب انتخابات المجالس المحلية القادمة: المطلوب تسييس وتحزيب التنافس، وتقليل وتهميش دور الفرد والعائلة