مالئ الدنيا وشاغل الناس. في حياته كان كالقدر، عبثًا تحاول تحييده أو إغفالَه. وعبثا تشقى لتتجاوزَه أو لتهمِّشَه.
تراوغ، تناور، تزاود، تعاند، ودائمًا تصحو عليه تميمةً مدلّاةً في عنقك، تحميك من كل شرٍّ وشطط. هكذا هو، ببساطةِ إيمان من جرَّب لؤم الرزايا وحكمة السيرة والمسيرة والتجربة.
مالئ الدنيا وشاغل الناس. حتى بعدما غاب نجمًا في عاصمة الشمس والأنوار. ليس هذا مَجازًا، إنما حقيقة تلطم كلَّ يوم وجهَ من آمنَ بسقوط مشروعٍ وأفول حلم. ذلك لأن إعجازه في عاديته، في بساطته وفي كونه إنسانا فلسطينيًا عربيًا جُبل من هذا التراب، وحوَّلَ الحُلمَ الفلسطيني إلى براعمَ وحقيقه وأمانات. وإلى تمائمَ مدلّاة في أعناق كل فلسطيني وحر في هذا العالم الفسيح.
"في كل واحد منا ذكرى شخصية منه وعناق وقبلة"، هكذا قال الشاعر الذي استحضر، في حينه، غائبًا لم يغب. أن تقترب لما قاله المحمود في أربعينية أبي عمار، مجازفة خاسره لا محالة، هذا إن كنتَ عاقلا، وحماقةً إن كنتَ عكس ذلك. فهو الذي أوجز فأعجز وأحب فوفَى وخبر فحلق وانصف.
لم تكن زياراتي لأبي عمار كثيرة، لا سيما زمن عملتُ مع الكبير فيصل الحسيني الذي معه وبه كانت العلاقة المباشرة واليومية. وأحيانًا، وفي بعض المحطات والقضايا كان يصطحبني للقاء "الختيار" وذلك لغرض استعراض قضية، كانت بالعادة تتعلق بالقدس، وهي قضايا أبدى أبو عمار اهتمامه البالغ بها ومتابعتة الحثيثه لها.
بعد رحيل فيصل بدأتُ ألمس اهتماما متزايدًا من مكتب الرئيس. إذ توالت الاستدعاءات/الدعوات للقاء "الوالد"، كما دَرَج محدِّثي أن يكنيَه.
حتى الرحيل التقيته مرات كثيرة، وكل لقاء كان حكاية وولَّد ذكرى، ودائما كان يبدأ بالعناق والقبلات وهكذا كان ينتهي أيضًا.
"الوالد يريدك اليوم الساعة الخامسة بعد الظهر"، جاء صوت الداعي عبر الهاتف. لم أعرف سبب الدعوة ولم أسأل. فدعوةٌ لأبي عمار، بالعادة، هي أقل من أمر وأكثر من مجرد دعوة. هي أقرب لحفاوة بأمنية شاردة وفرصة لتخزين بعض من ذكرى وقطعة من التاريخ تحفظ للتاريخ.
وصلت المقاطعه قبل الخامسة بقليل. أُدخلت وأُجلست بغرفة الانتظار القريبة من مكتبه. دقائق بعد وصولي بدأت بعضُ الشخصيات المقدسيّة التي أعرفها، تتوافد وتملأ كراسي غرفة الانتظار. بادلتهم التحية والسلام ونتفًا من حديث عن شؤون الساعة واليوم.
منهم فهمت أنهم مدعوون إلى اجتماع لـ"لجنة القدس". وهي لجنة أقامها أبو عمار وضم لعضويتها أفرادًا قليلين، فلقد أرادها أداة عملية وهيئة من شأنها أن تبحث وتقضي. ولأننا قوم كلنا "رؤوس" ولا "قنانير" بيننا، تهافتت الشكاوى على الرجل وكثر الحديث واللغط، فكان للقوم ما أرادوا وضُخِّمت اللجنة فأصبح عدد أعضائها أكثر من خمسين.
لم أكن عضوًا في هذه اللجنة. كانت الساعة الخامسة عندما جاءني الرسول مناديًا أستاذ جواد تفضَّل. اصطحبني إلى مكتب الرئيس. كان يجلس وراء مكتب. يقرأ بعضًا من أوراق ملأت مساحة المكتب. أمامه صحن من تشكيلة فاكهة مقطعة. وقفَ باسمًا فاتحًا ذراعيه. ضمَّني إليه بشوق والد يلاقي ابنًا عائدا من السفر. قبَّلني وأجلسني قبالته. عاد إلى مكتبه واستمر بقراءة ما كان يقرأ. دون أن ينظر إليَّ استل ورقة مطوية ودفعها نحوي. فتحت الورقة وكانت معنونة بجدول نقاط البحث للجنة القدس. عشر نقاط سجلت وكل واحدة منها بحاجة إلى ساعات من النقاش والبحث.
لم ينظر إلي. مدَّ يدَه والتقط قمرًا من البرتقال ودفعه لآكل. قرأتُ ما دوَّن وتوجهت إليه قائلًا: "أخ أبو عمار هذه مواضيع كثيرة وهامة وشائكة والوقت ... "، لم أكمل إذ بادرني بهلال من التفاح وبسمة وقال: "يا خويَ اختار أي موضوع وحدثني برأيك ..".
وحدي كنتُ معه. وجهه لا يترك لك فسحة لتغادرَه. باسمًا أحيانًا. متجهِّمًا في أخرى. دفؤه غامر. حدثتُه فأصغى. مرت الدقائق سريعة وساعة الحائط أشارت إلى أننا تعدينا الساعة المحددة لبدء الاجتماع. لاحظها كما لاحظتها ولم يوقفني فلم أتوقف. بعد ثلاثة أرباع الساعة وبحركة عرفاتية معهودة جفلَ وبادرني قائلا: "الله يا خوي اتأخرنا عليهم .."، وقف ووقفت مستأذنا إياه بالمغادرة، فأنا لست عضوًا في هذه اللجنة.
اقترب مني وأخذ بذراعي وأصر: "لا يا خوي دا انتَ ضيفي اليوم ..". وصلنا إلى غرفة الاجتماع. كل السادة تحلَّقوا حول الطاولة البيضاوية. دخل وذراعي مشبوكة بذراعه إلى أن جلس وأجلسني معهم.
افتتح أبو عمار الجلسة وكان الموضوع الأول حول أوضاع مدينة القدس السياسية والاجتماعية ووضع العقارات وما يجري في المدينة من تطورات.
أدلى الحاضرون بمداخلاتهم، واحدًا تلو الآخر، وكانت في معظمها عبارة عن تصوير لقتامة الصورة وعبثية المشهد. شكاوى وامتعاضات. قليلة كانت الرؤى ونادرة كانت الرؤيا. تتابعت المواقف وتصاعدت الخطابات، إلى أن دقَّ الرجل بقبضته على الطاولة وبدأ، بشبه صراخ، يؤكد أنه يعرف كل ما قيل. فكفى للتوصيف والتحليل والخطابات، وطالبهم ببرامج عمل واضحة ومدروسة تكفل إيقاف النزف والتقهقر. رفع يمناه وقال: "من أجل القدس أنا أعطيت وأعطي عمري. لا حدود ولا موانع فأنا جاهز لكل شيء".
قال هذا وبإبهامه فرك سبابته وقال: "أنا جاهز بِدَا" وبسبابته نقر على إبهامه وقال: "وبدَا كمان. هم أصبعين نفس الأصبعين كدا وكدا". أنهى الحديث وانتقل إلى موضوع بحث آخر. لم يحتمل المزايدة.
كان اللقاء بعد رحيل فيصل، وكان طويلًا ومثيرًا. أحد الأصدقاء العارف بخبايا "الختيار" ومفكِّك شيفرة تصرفاته، مالَ عليَّ في طريق خروجنا من المقاطعة وبادرني، مزيلًا حيرة تملكتني من إصرار أبي عمار على إدخالي لغرفته واصطحابي معه لغرفة الاجتماع، ذلك حين قال أن الرجل أراد من خلالي أن يوصل لمن حضر الاجتماع إن رجلَه، فيصل الراحل، كان القدوة والمثال والقائد بكل ما عمل وكيفما عمل. فلا مثل أبو عمار كان يعرف واقع الحال، ولا مثله لم يؤمن بالمحال.
"في كل واحد منا ذكرى شخصية منه ....". وعندي هي أكثر من ذلك لأنه كالقدر ولأنه تميمةٌ وشمت بعنقي، ونعمَ التميمة.
