ماذا يتمخض عن مؤشرات الغزل الطارئ بين الادارة الامريكية وسوريا؟!

single
قبل عدة اسابيع نشرنا في "الاتحاد " ان ادارة الرئيس باراك اوباما الامريكية قررت اعادة سفيرها الى دمشق بعد قطيعة دامت اربع سنوات وذلك اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتصعيد التحريض على النظام السوري بتحميله وزر الجريمة . وفي حينه اكدنا ان الاعلان عن اعادة السفير الامريكي الى سوريا لم ينشأ من فراغ بل جاء على خلفية ادراك ادارة اوباما ان من يخطط لاقامة سلام اقليمي في المنطقة مبني على قواعد حلول تسوية سياسية للصراع الاسرائيلي الفلسطيني وللصراع الاسرائيلي العربي وتطبيع العلاقات الاسرائيلية – العربية في اطار هذا البرنامج الامريكي لا يمكن انجاز ذلك بمعزل عن سوريا وبدون سوريا، فلسوريا علاقاتها الوطيدة وتأثيراتها على لبنان والعراق على المنظمات الفلسطينية وعلى ايران التي تربطها بها علاقات استراتيجية، ولهذا فإن الهدف الاستراتيجي الذي و ضعته ادارة اوباما نصب اعينها هو ما العمل لتدجين النظام السوري ولضمان انتقاله من موقع مناهضة مخططات الهيمنة الامريكية – الاسرائيلية في المنطقة بما في ذلك مخطط السلام الاقليمي الامريكي الى الاندماج في اطار الاستراتيجية الامريكية ! وبرأينا مارست ادارة اوباما الضغط لتطويع النظام السوري من خلال ثلاثة رسائل رئيسية هي كالتالي:-
* اولا: استغلال خدمات الانظة العربية "المعتدلة" وعقد رايات المصالحة مع بعضها، وخاصة الانظمة في مصر والسعودية والاردن وقطر، وممارسة الضغط على النظام السوري واقناعه ان ادارة اوباما متوازنة في قضايا الصراع وانها تحمل بسياستها فرج الحل العادل للصراع في المنطقة . وان على النظام السوري ان يستغل تأثيره على قادة بعض منظمات المقاومة الفلسطينية الموجودة في دمشق ، من قادة حماس والجهاد الاسلامي وغيرهما لضمان انهاء الحوار الفلسطيني- الفلسطيني  في القاهرة حسب الاملاءات المصرية بين الخامس والعشرين وحتى الثامن والعشرين من شهر تموز \ يوليو الحالي. فرض حلول تتجاوز الانقسام الفلسطيني واعادة اللحمة الوحدة الى الصف الوطني في جناحي الوطن المحتلين، تتفق عليها كل من مصر والسعودية والاردن وقطر. وان انجاز هذه الخطوة يساهم ليس في دفع عجلة التفاوض الاسرائيلي الفلسطيني حول الحل الدائم بل كذلك يدفع عجلة التفاوض الاسرائيلي – السوري للانسحاب من هضبة الجولان السورية .
* ثانيا:- اذا كانت الحكومة البريطانية حليف وشريك للاستراتيجية العدوانية لادارة بوش واليمين المحافظ فان ادارة الرئيس الفرنسي ساركوزي تنشط لتكون الحليف والشريك النشيط في اطار الاستراتيجية الشرق اوسطية والكونية لادارة اوباما. فمنذ اتفاقية الوفاق الوطني اللبنانية في الروحة، التي كان لسوريا ولفرنسا دور في نجاحها، تطورت العلاقات الفرنسية- السورية، وتتوسط فرنسا لتحسين العلاقات السورية الامريكية، وتعمل على ابعاد النظام السوري عن حلفائه في ايران ولبنان، او على الاقل كبح جناح حزب الله في لبنان، واستغلال نتائج الانتخابات البرلمانية اللبنانية والاضطرابات في ايران، اثر نتائج الانتخابات الرئاسية الايرانية، لتدجين النظام السوري في الحظيرة الامريكية واغداقة بوعود رفع الحصار الاقتصادي الامريكي وتحسين العلاقات مع الادارة الامريكية والضغط لاستئناف التفاوض الاسرائيلي – السوري حول هضبة الجولان السورية المختلطة
* ثالثاً :حجيج الكثير من المسؤولين واعضاء الكونغرس الامريكي الى سوريا كمؤشر يهدف الى تحسين العلاقة مع سوريا والتي كان آخرها زيارة المبعوث الرئاسي الخاص لادارة اوباما الى الشرق الاوسط جورج ميتشل ولقائه الرئيس بشار الاسد.
انطلاقا من هذه الخلفية التي مدلولها السياسي ان الجهود التي تبذلها ادارة اوباما ومن يرقص في حلبتها من الانظمة العربية المدجنة هو جذب النظام السوري الى حظيرة السلام الاقليمي الامريكي وابعاده ودق الاسانين بينه وبين النظام الايراني وحركات المقاومة في لبنان والعراق  وفلسطين المحتلة، العمل على اغراء النظام السوري بدفع عجلة التفاوض الاسرائيلي – السوري
ليس حبا افلاطونيا.
صرح الرئيس الامريكي باراك اوباما اثناء وجوده في جمهويرية غانا الافريقية عن استعداده لزيارة سوريا والحديث مع رئيسها بشار الاسد الذي وجه له الدعوة ، ولكن على النظام السوري الايفاء بالتزاماته ! ويقصد بذلك عدم دعم بعض قوى المقاومة العراقية وحزب الله اللبناني، وقضية علاقات التحالف السورية الايرانية، ولكن الى جانب ذلك، ورغم ذلك ، تجرى عملية تحسين العلاقات السورية – الامريكية، وقريبا سيعود السفير الامريكي الى دمشق ويجري الحديث عن دان كرتسر سفير الولايات المتحدة السابقة في اسرائيل، وهذا سيكون مؤشرا لدفع العملية التفاوضية الاسرائيلية- السورية.
من الواضح جدا ان تحسين العلاقات الامريكية مع سوريا لاتجسد حباً افلاطونياً عذريا وطوبوياً، بل عشقاً بغاليا حماريا  (من بغل وحمار) لخدمة المصالح الاستراتيجية الامبريالية الامريكية، ويبدو ان النظام التركي لم يعد مرغوبا به كوسيط في المفاوضات غير المباشرة بين اسرائيل وسوريا، خاصة بعد ادانته لمجازر وجرائم الحرب التي ارتكبها العدوان الاسرائيلي الهمجي على قطاع غزة ، ففي مناخ تحسن العلاقات السورية – الامريكية تعرض ادارة اوباما وساطتها المباشرة لدفع عجلة التفاوض بين سوريا واسرائيل.وحسب ما ذكرت صحيفة " يديعوت احرنوت – 13/7/2009" فان ادارة اوباما ارسلت الدبلوماسي المعروف ورفيع المستوى  بيرد هوف، العضو في طاقم جورج ميتشل الى الشرق الاوسط، ليتسلم مهام ملف المفاوضات الاسرائيلية- السورية وان هذا الوسيط الامريكي اجتمع يوم الاثنين من هذا الاسبوع مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ومع وزير الامن ايهود براك ومع مسؤولين كبار في الجهاز الامني السياسي وذلك لفحص امكانية تجديد المفاوضات بين اسرائيل وسوريا حول هضبة الجولان السورية وبمرافقة امريكية للمفاوضات،وشرط اسرائيل ان تبدأ المحادثات دون شروط مسبقة حول هضبة الجولان السورية ولكن مع موقف اسرائيلي عدم الانسحاب من الهضبة السورية المحتلة!!
وان بيرد هوف سيتوجه الى دمشق للتباحث حول هذا الموضوع مع الرئيس السوري بشار الاسد ومع وزير الخارجية وليد معلم.
والانكى من ذلك ان ادارة اوباما بدأت عن طريق مبعوثها د.بيرد هوف بلورة خطة تسوية سياسية لقضية هضبة الجولان السورية المحتلة . وان د.هوف هومن اعدّ وثيقة التسوية التي وافق عليها وتبناها جورج ميتشلوقد عنون هوف الوثيقة بالعنوان" نحدد الحدود بين سوريا واسرائيل " حيث يطرح – حسب رأيه ، المشاكل المعقدة بين اسرائيل وسوريا، ويقترح هوف ان يجري تنفيذ عملية السلام بين سوريا واسرائيل على مرحلتين، في المرحلة الاولى يجرى بناء الثقة المتبادلة بين الطرفين من خلال مشاركة الطرفين السوري والاسرائيلي في مشاريع صناعية مشتركة واستغلال مشترك لمصادر المياه في هضبة الجولان، وبعد ارساء قواعد الثقة المتبادلة والتعارف تأتي المرحلة الثانية بالانسحاب الى الخط الحدودي الذي يرسمه هوف !
هوف يتحدث بصورة ضبابية عن مشاريع ومحميات طبيعية اقامها اسرائيليون ويقترح ان تعود الى ملكية السوريين تدريجيا ولكنه لا يتحدث عن مصير المستوطنات الكولونيالية اليهودية التي اقامها المحتل في الهضبة السورية المحتلة، كما يقترح ان يكون للمحتل الاسرائيلي كما لصاحب الحق السوري الحق في استغلال مصادر المياه في الجولان،كما يتيح للمحتل الاسرائيلي الحرية المطلقة في الوصول الى الشواطئ الشرقية لبحيرة طبريا.
الشيء البارز في خطة هوف انه لايحدد جدولا زمنيا لمدة تطبيع العلاقات الاسرائيلية- السورية في المرحلة الاولى ومتى تبدأ المرحلة الثانية من الانسحاب الاسرائيلي من الجولان، وما هو مصير المستوطنات – ان خط الحدود الفاصل بين اسرائيل وسوريا في التسوية النهائية يكتنفه الغموض والضبابية كما يكتنف الغموض والضبابية خطة "حل الدولتين" الامريكية لتسوية قضية الصراع الاسرائيلي- الفلسطيني، حيث يبقى في معتقل التأويلات والمضاربات قضايا حدود الدولة الفلسطينية وطابعها وصلاحيات سيادتها السياسية والاقتصادية والاقليمية.
في رده على اعلان الرئيس الامريكي اوباما عن استعداده زيارة سوريا، عقب وزير الخارجية  السوري مرحبا بهذا الاعلان ومؤكدا ان موقف سوريا السياسي من الصراع في المنطقة لم يتغير واكد  انه من  دون انسحاب كامل للمحتل الاسرائيلي الى حدود الرابع من حزيران \يونيو 1967 لن يسود السلام ، وان سوريا لن تحضر أي مؤتمر دولي لم يجر له الاعداد جيدا بمعنى ان تقبل اسرائيل مرجعية عملية السلام وقرارات مجلس الامن ومبدأ الانسحاب من الارض العربية المحتلة عام 1967 مقابل السلام !
كما اكد الرئيس السوري بشار الاسد مرارًا ان السلام العادل والشامل والثابت في المنطقة هو الخيار الاستراتيجي لسوريا، فمبدأ الارض مقابل السلام والانسحاب الى حدود الرابع من حزيران السبعة والستين من هضبة الجولان السورية وباقي المناطق العربية المحتلة وانجاز الحق الفلسطيني الوطني والشرعي بالحرية وبالدولة والقدس والعودة هو الضمانة لبناء قواعد الامن والاستقرار والسلام في المنطقة.
تضغط قوى الامبريالية واسرائيل ودواجن الانظمة العربية على النظام السوري لابعاده عن ايران ومختلف قوى المقاومة والمناهضة للهيمنة الامبريالية- الإسرائيلية العدوانية  في المنطقة والضغط لتدجينه في حظيرة الولاء للاستراتيجية الامبريالية في المنطقة، وخطة هوف للتسوية وسيلة لانجاز هذا الهدف الاستراتيجي، فموقف النظام السوري من هذه الخطة الامبريالية ومن الغزل البغالي الامبريالي مع سوريا النظام يعتبر محكا هامًا يكشف مدى حرص النظام السوري في الدفاع عن المصالح الحقيقية القومية والوطنية للشعب السوري ولا شقائه الشعوب والبلدان العربية وفي مقدمتها الشعب العربي الفلسطيني الذي يواجه المخططات التآمرية السوداء للانتقاص من ثوابت حقوقه الوطنية وتقزيم وتضييع حقه الشرعي في الحرية والدولة والقدس والعودة ، ومن مآسي الصراع في منطقتنا وعالمنا في الظرف الراهن ان قوى اليسار الحقيقية ضعيفة ووزنها النوعي او الكمي في المعترك الكفاحي محدود رغم اهميته، الامر الذي يجعل مصير الشعوب يتأرجح في ارجوحة الموازنة بين القوى الامبريالية وخدامها من الانظمة الرجعية وبين القوى الاصولية الدينية في الطرف المقابل المناهض للامبريالية ولكنه يقف حجر عثرة في وجه التقدم الحضاري للشعوب ولكن نحن على ثقة بان بقاء الحال من المحال والشمس ستشرق لا محالة.
قد يهمّكم أيضا..
featured

"تصدّق ولو بشق تمرة"

featured

اغتيال القنطار قرب دمشق

featured

الاقتصاد الاسرائيلي وانتفاظة الجياع القادمة

featured

لا ضوء أحمر ولا كوابح لوقف عربة الفوضى

featured

محاكمة إسرائيل لجرائمها ضد الإنسانية ضرورة ملحة: أية محكمة؟ وكيف؟ ولماذا؟

featured

وتبقى الأرض لبّ الصراع!

featured

اليسار هو أمل الشرقيين

featured

المصالحة هي الهدف..