قبل أربعين عاما تمامًا، وفي الثلاثين من آذار عام 1976 تحديدًا، هبّت جماهيرنا في اول انتفاضة شعبية كاسحة وشاملة، دفاعا عن ارضها ووجودها، محطمةً حاجز الخوف، ومؤكدة عدم التفريط بتراب الوطن مهما كانت الظروف، مستعدّة ان تدفع ثمن شرف الانتماء الى هذه الأرض دم اعزّ واغلى أبنائها، فخرجت الى الشوارع متحدية.
وكنا ندرك وقتها اننا اصبحنا في وضع جديد، فالذي صار بعد يوم الأرض الخالد لم يكن كما كان قبله، لأننا حقًا دخلنا عصر ما بعد يوم الأرض. فقد سجّلت جماهيرنا في ذلك اليوم المجيد تاريخا جديدا، وسطّرت في سفر النضال ملحمة كبرى تركت اصداءها على المستوى الوطني والقومي والعالمي. وأصبح يوم الأرض يوما وطنيا، وعيدا قوميا، وذكرى جميلة عند الكثيرين في هذا العالم. وما كان ذلك ليحدث لولا القيادة الحكمية والشجاعة التي نقلت الجماهير نقلة نوعية، متكاملة معها ومترابطة بها عضويا، فكان الإنجاز وكان الاعجاز، ورأينا محصلة الابداع الثوري الحقيقي. فالجماهير لم تتحرك من فراغ وعلى غير هدى، وإنما تحركت بعد تعبئة حقيقية، استمرت اشهرا عدة، بقيادة "اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي"، التي استحقت جدارة القيادة في ذلك الظرف المفصلي من حياتنا. وتراجعت السلطة عن مخططها المرسوم لمصادر 20 الف دونم من أراضي ""المل" في منطقة سخنين وعرابة ودير حنا في الجليل.
وسجّلت انتفاضة فلسطيني الداخل انتصارا باهرا في تلك المعركة، أسّس لكل الإنجازات التي حققتها جماهيرنا لاحقا ولا تزال. ويكفي ان معركة يوم الأرض قد خلقت روحا جديدة لدى هذا الجيل تقول اننا جزء من الشعب العربي الفلسطيني ولسنا مجرد "ابناء الأقليات"، كما كان يحلو لهم تسميتنا. وهذه الروح الوثّابة هي التي يجب ان نستلهمها اليوم، وكل يوم، لان الصراع على الأرض لم ينته، والمعركة لا تزال مستمرة، وسيبقي هذا الصراع طالما بقيت الاطماع قائمة في سحب الأرض من تحت اقدامنا، وهو ما يحدث على ارض الواقع. فالأرض هي لبّ الصراع القائم منذ اكثر من مائة عام، لان المؤسسة العنصرية لم تغير أهدافها، وان غيرت من تكتيكاتها هنا وهناك. وعادة ما تلجأ الى سنّ القوانين العنصرية، حتى تأخذ عملية السطو على الأرض طابعا "قانونيًا" و"ديمقراطيًا". وهي ابشع انواع السطو على الأرض، لأنها مغلّفة "بالقانون".
وحين نحيي هذه الذكرى في هذه الأيام، فليس يهمني كيف يكون ذلك، وليست المشكلة بالنسبة لي أن تقام المهرجانات الخطابية الاحتفالية القطرية هنا او هناك. ولا يهمني ان كان يوم الأرض يوم اضراب شامل، او أي شكل آخر من اشكال احياء الذكرى. لكن المهم عندي، وأتساءل بصراحة تامة: هل نحن ما زلنا قادرين على استلهام روح يوم الأرض مرة أخرى ؟! وهل هناك قيادة كما كانت قيادة يوم الأرض الأول، قادرة على تجنيد الجماهير وتعبئتها حتى تقف في وجه التحديات القائمة، وما اكثرها، ام ان الامر يتعلق بكيفية احياء ذكرى يوم الأرض حتى تمر علينا بسلام، بعد ان نكون قد اشبعنا الجماهير خطبا رنانة وشعارات الوحدة "وزفينا والمولي راد" ؟! هل هذا ما نريده ام ان المعركة تطلب شيئا اخر لحشد الجماهير وتهيئتها، حتي تأخذ دورها في الوقوف الفاعل والنشط امام ما يخطط لنا في الاقبية المظلمة لنصبح لاجئين في وطننا، او خارج هذا الوطن ؟! اليس الحديث المتكرر عن يهودية الدولة هو شكل من اشكال تجريدنا من ارضنا ؟! ثم اليس كل ما يقال عن تبادل أراض ونقل ام الفحم وأجزاء من المثلث الى السلطة الفلسطينية الوهمية هو نوعاّ آخر وشكلاّ من اشكال السيطرة على ارضنا ؟! ناهيك عن هذا المخطط الاخطبوطي الواسع الكبير بإقامة مدينة الاستيطان الكبرى "حريش" على أراض واسعة للمواطنين العرب في المثلث الشمالي، اليس كلها دلائل على ان لبّ الصراع يتركز في السيطرة على الأرض ؟!
واذا نسينا فلن ننسى النقب واهلنا هناك في قلب المعركة الكبرى الدائرة على الارض، فمخططات مصادرة الأرض وتهويدها تجري بوتيرة عالية وبشكل غير مسبوق. وهذا كله يتطلب منا ان نستعد لمواجهة الاخطار، بروح يوم الأرض وبعزيمة الرجال الذين لا خيار امامهم إلا مواجهة الاخطار وعدم التراجع. فكما قلت لا مشكلة عندي ان نحتفل بذكرى يوم الأرض بهذه الطريقة ام تلك. لكن الأهم اين نحن في مواجهة ما يدبر لنا في خفاء؟ اننا مقبلون على فترة صعبة، وناقوس الخطر يدق، فنصف الإسرائيليين يريدون تهجيرنا من وطننا، كما أظهرت استطلاعات الرأي مؤخرًا، والرأي العام الإسرائيلي يتجه اكثر فأكثر نحو التطرف، ويقترب من ان يكون يمينيًا فاشيًا بامتياز. فهذا الحاخام الأكبر لإسرائيل يخرج علينا بكلام اشبه بسمّ الافاعي، حين يطالب بطردنا جميعا من ارضنا، ويقول انه "لا مكان للاغيار والغرباء فوق هذه الأرض"..! اليس هذا مؤشرًا خطيرًا ؟! فهذا ليس كلامًا فارغًا لمعتوه او مختل العقل، انه سياسة مرسومة تتبناها المؤسسة الحاكمة وأحزاب وحركات ووزراء وشخصيات سياسية لا تخفي أهدافها. فالأحزاب الفاشية العنصرية تتسابق فيما بينها في أي منها معادٍ للعرب اكثر من سواه. وحادث اعدام الشاب الفلسطيني، في الخليل قبل أيام، على يد جندي إسرائيلي وهو مصاب ومضرّج بدمه، هو اكبر ادانة للعنصرية المتفشية في إسرائيل. وهذا الذي حدث لهذا الشاب في الخليل يجري كل يوم، ولم يكن ليثير ضجة لولا الكاميرا التي وثّقت وكشفت الجريمة وأظهرتها للعالم اجمع. ولكي لا تكون هناك فضيحة كبرى لإسرائيل ولـ"اخلاقية" جنودها، تظاهرت باعتقال الجندي القاتل "للتحقيق" (ثم افرج عنه لاحقًا بدون اية قيود)، في ملابسات تجاوز الأوامر الصادرة. كما حاول يعالون، وزير الحرب، الدفاع عن هذه الاتهامات الخطيرة للقوانين والأعراف. ومع كل ذلك هبّ وزراء ومسؤولون في حكومة إسرائيل للدفاع عن الجندي القاتل، واصفين إياه بـ"بطل إسرائيل". واصطف عشرات الآلاف من الإسرائيليين، جنودا ومواطنين، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، للدفاع عن هذا الجندي، معتبرينه مدافعا عن شعب إسرائيل ودولة إسرائيل..! وهذا الذي وصل اليه هذا المجتمع الاسرائيلي ما كان ليكون لولا هذه الحكومة اليمينية المتطرفة التي تغذي نزعات التطرف والكراهية والعدوانية، التي بلغت حد القتل لمجرد القتل، طالما ان القتيل عربي وفلسطيني..!
هذه هي الصورة التي تبدو امامنا، وهذا هو الوضع الخطير الذي آلت اليه الأمور، فالذي يقتل في القدس والخليل، وباقي الأرض الفلسطينية، بدم بارد اليوم لن يتورع غداّ عن شهية القتل بدم بارد في المثلث والجليل والنقب. فنحن كما قلت امام تحديات كبيرة، وتبقى الأرض هي لبّ الصراع، لان الثور الهائج المنفلت لم يكبح جماحه بعد، ونحن لنا دور وطني ودور أخلاقي ودور انساني، في مواجهة العنصرية بلا تردد او خوف..!!
