2016/6/24 - نابلس - مواجهات بين الشبان وجنود الاحتلال الاسرائيلي بعد مهاجمة المستوطنين قرية قصرة جنوب نابلس.
تأتي هذه المبادرات المتنوعة، لصالح بناء تحالفات وتكتلات من نوع جديد، في المنطقة، تنتقل فيها اسرائيل من موقع العدو الى مكان الصدارة في معسكر تنتظم فيه السعودية وأتباعها. والمفارقة المأساوية أنه رغم وضوح الاندفاع السعودي في هذا المسار، فإن القيادة الفلسطينية ﻻ تترك فرصة، بمناسبة وبدون مناسبة، إلا وتؤكد أنها مع السعودية ! ويبدو أن البعض في الطبقة السياسية الفلسطينية، التي ترهّلت وأفلست، يمينها ويسارها، وفقدت مبرر وجودها، راح يقلّد هذه الدعوة الشاذة بـ"تعزيز" العلاقة مع السعودية.
في أسوأ مناخ سياسي، على الصعيد الفلسطيني، وبينما يحتدم الصراع على المستوى اﻹقليمي، تحرّكت أكثر من مبادرة لمعالجة النزاع الفلسطيني - اﻹسرائيلي؛ فهل هذا صدفة؟ وهل يمكن الرهان أن تؤدي أي منها أو مجتمعة الى تسوية تؤمِّن الحد اﻷدنى من الحقوق القومية للشعب الفلسطيني وفق قرارات الشرعية الدولية؟؛ من جانب آخر، ما هي الدوافع وراء هذه المبادرات؟.
فيما يتعلق بالمبادرة الفرنسية بالدعوة لعقد مؤتمر دولي، لمعالجة هذا النزاع، جاءت نتائج المؤتمر التمهيدي له بداية حزيران، كافية لتحديد سقف التوقعات منه، إذا انعقد أواخر هذا العام، وفق توقعات الفرنسيين. فبضغط من اﻹسرائيليين واﻷميركيين وتجاوب من الفرنسيين لم يأت المؤتمر التمهيدي على تحديد سقف زمني للمفاوضات وﻻ لتنفيذ قراراتها، وﻻ آلية لمتابعة ذلك والسهر على اﻹلتزام بما يقرر المؤتمر الموعود. والعودة للمفاوضات الثنائية المباشرة هي إصرار على مساواة الاحتلال وضحيته في الحقوق واﻻمكانيات، والتنكر لمسؤولية المجتمع الدولي في تصفية هذا الاحتلال. أكثر من ذلك فالمبادر الفرنسي لعقد هذا المؤتمر يحث الجانب العربي، في إطار ما يسميه بخطوات بناء الثقة، على مباشرة إقامة علاقات دبلوماسية، وشراكة اقتصادية وتعاون إقليمي وأمني مع اسرائيل قبل تحقق انهاء اﻻحتلال! أما الحوافز لهذه المبادرة فمن المعتقد أنها:
1 - تعزيز مواقع فرنسا لدى النظام العربي؛
2- تمهيد الطريق أمام السعوديين واﻹسرائيليين لتجاوز العقبة الفلسطينية لصالح إقامة التحالف الرسمي بينهما؛
3- خشية الغرب الامبريالي من أن تسفر خطوات أقصى اليمين اﻹسرائيلي لضم الضفة الغربية نهائيا ﻹسرائيل الى وﻻدة دولة ثنائية القومية، آخر اﻷمر، بحكم الواقع، مما يفقد اسرائيل الدور الذي تضطلع به في خدمة مختلف فصائل اﻻمبريالية في المنطقة، هذا اﻻحتمال الذي حذر منه أكثر من مرة نائب الرئيس اﻷميركي بايدن ووزير الخارجية، كيري، انطلاقا من ادراكهما بأن نظام اﻷبرتهايد الذي يجري تطبيقه في اﻷراضي الفلسطينية المحتلة ﻻ مستقبل له في القرن الحادي والعشرين. وفصل المجتمعين الفلسطيني واﻻسرائيلي عن بعضهما في دولتين ﻻ يعني بالضرورة، من وجهة نظر الغرب اﻻمبريالي، تبني مطالب الشعب الفلسطيني، كما نصّت عليها القرارات الدولية.
أما المبادرة العربية (السعودية اﻷصل) والتي جرى تحريكها، بعد موت سريري منذ العام 2002، فقد قال نتنياهو بشأنها، آخر أيار المنصرم، بعد طول تجاهل ورفض :"نحن مستعدون أن نتفاوض مع الدول العربية ﻹدخال تعديلات على هذه المبادرة كي تعكس التغيرات الهائلة التي جرت في المنطقة منذ العام 2002، وتحافظ على الهدف المقصود: إقامة دولتين لشعبين"؛ لكنه عاد في 13 من حزيران الجاري، أي بعد أسبوعين فطرح شروطه لقبول هذه المبادرة، هذه الشروط التي تحدد، في الوقت ذاته، مفهومه لحل الدولتين. أما عناوين هذه الشروط فهي:
* ﻻ عودة الى حدود حزيران 1967، (وبداهة يشمل هذا القدس العربية)؛
* إسقاط قضية اللاجئين الفلسطينيين؛
* تناسي الجوﻻن السوري المحتل؛
ماهية "حل" الدولتين بعد كل هذا فلا تحتاج الى تفسير. ومناورة نتنياهو من خلق اﻷوهام بقبول المبادرة المذكورة، الى طرح شروط تنسفها من اﻷساس ليس عبثا وﻻ مصادفة، وإنما وليدة اﻹدراك لمدى تحرّق حكام السعودية،على تجاوز العقبة الفلسطينية، من أجل إقامة تحالف عسكري في المنطقة، بقيادة إسرائيل عمليا، للمواجهة التي يصر عليها حكام السعودية وإسرائيل ضد سورية وايران وحزب الله، بعد خيبة أمل الطرفين السالفي الذكر وفشلهما في دفع واشنطن للقيام بمثل هذه المواجهة، ليس تعففا من اﻷخيرة وإنما لحسابات واقعية تتعلق بالثمن الباهظ لمثل هذه المواجهة. وكان نتنياهو قد عبّر خلال زيارة رئيس الوزراء الفرنسي ﻹسرائيل، عشية انعقاد المؤتمر التمهيدي المذكور،عن تأييده عقد مؤتر سلام مع جيران اسرائيل "السنة المعتدلين"، "الذين يشعرون بالمخاطر التي تشعر بها اسرائيل"، والذين "لهم المصالح نفسها على المدى البعيد"، ويرون "خطر إيران وخطر تنظيم الدولة اﻹسلامية". أما اقحام اسم "الدولة اﻹسلامية" فللتمويه، ليس إﻻ.
*** عودة الرهان على الخيار اﻷردني
أما الخيار اﻷردني وتجدد حراك المراهنين عليه، فليس بدوره صدفة؛ ويستند حراك هؤﻻء الى خطوات تمّت مؤخرا كتعديلات الدستور اﻷردني، وحل البرلمان وتغيير الحكومة اﻷردنية؛ وقد جاءت زيارة الدكتور عبد السلام المجالي، داعية هذا الخيار، للضفة الغربية، وما يشاع عن بحث العودة عن قرار فك اﻻرتباط عام 1988، بدعوى عدم دستوريته،علامات إضافية في هذا المجال. ولو كان الخيار اﻷردني يضمن استعادة كامل اﻷرض الفلسطينية التي احتلت في حزيران 1967، بما فيها القدس العربية، ﻻختلف الموقف من هذا الخيار؛ لكن اﻻسرئيليين يريدون من هذا الخيار أن يستعيد اﻷردن السيادة على السكان، دون اﻷرض.أي يريدون من هذا الخيار أن يؤمّن استيراد قوة قمع عربية ضد الفلسطينيين، ﻻ أكثر. وإذا كان اﻷردن ﻻ يملك القوة ﻻستعادة الضفة الغربية من براثن اﻻحتلال، وهي القضية المقررة في هذا الشأن، فما هو المبرر لطرح هذا الخيار اﻵن تحديدا؟.
وعلى أي حال، يمكن أن نرى في هذا الحراك محاولة لاستثمار المناخ العام في أوساط الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، اليوم، الذي يتميز بالتآكل الخطير والسريع لعلاقات الثقة بين القيادة السياسية الرسمية الفلسطينية وبين السواد اﻷعظم من سكان اﻷراضي المحتلة، وما أفرزه من شعور عام بين هؤﻻء السكان بأنهم أصبحوا يرزحون تحت نير مزدوج، نير اﻻحتلال ونير السلطة الفلسطينية؛ بينما لم يعودوا يرون في هذه السلطة قيادة وطنية لهم في نضالهم المشروع للخلاص من اﻻحتلال وتحقيق اﻻستقلال الوطني؛ بل يرون أن هذه السلطة تتحوّل الى كابح لهذا النضال، ما يؤكده تباهي أحد رموزها،علنا، بعدد العمليات ضد اﻻحتلال التي قامت هذه السلطة بإحباطها، وإصرارها على التمسك بالتنسيق اﻷمني المشين. وبدل أن تتصدّر هذه القيادة حملة مقاطعة اﻻحتلال وعزله، تدفع بأحد أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير للمشاركة في مؤتمر هرتسيليا، ليخاطب دهاقنة سلطة اﻻحتلال، وكأنهم ﻻ يعرفون تفاصيل التفاصيل عن القضية الفلسطينية وينتظرون من يحاضرهم في هذا الشأن!، هذا السلوك الذي يمثل طعنة غدر في الظهر لجهود مقاطعة دولة اﻻحتلال التي تقوم بها حركات دولية وفي مقدمتها BDS التي راحت تقض مضاجع حكام اسرائيل وﻻ يدرون سبيلا يوقف نجاحاتها.
كل هذا، الى جانب اﻹنقسام المأساوي الذي تتحمل مسؤوولية وقوعه واستمراره، كل من فتح وحماس الحاكمتين في الضفة والقطاع، والذي ﻻ يخدم إلا اﻻحتلال، علاوة على أن من "منجزات" هذه السلطة اعفاء اﻻحتلال من مسؤولياته تجاه السكان الواقعين تحت سلطته. أما على الصعيد اﻻجتماعي، فالحصيلة اﻷساسية لقيام السلطة كانت وﻻدة شريحة طفيلية، هي وحدها الراضية عن الوضع القائم واستمراره، وتتحدى، على مدار الساعة، ببذخها وقصورها، السواد اﻷعظم من الشعب الكادح. وبدل السهر على تقليص الفوارق الاجتماعية لتعزيز صمود حراس الوطن الحقيقيين، من الطبقات والفئات الكادحة التي تتردى ظروف معيشيتها، تفاقمت الفوارق في ظل السلطة، بشكل خطير، علما بأن صمود الشعب الكادح خصوصا غدا السلاح المتبقي الذي يمكن الرهان عليه ﻹحباط اﻷهداف النهائية للمشروع الصهيوني الذي يريد أرضا بلا أهلها.
*** نقل اسرائيل من موقع العدو..
في هذه اﻷجواء تأتي هذه المبادرات المتنوعة، التي ﻻ يتوقع منها خيرا للقضية الفلسطينية، إن لم يكن اسوأ، لصالح بناء تحالفات وتكتلات من نوع جديد، في المنطقة، تنتقل فيها اسرائيل من موقع العدو الى مكان الصدارة في معسكر تنتظم فيه السعودية وأتباعها. والمفارقة المأساوية أنه رغم وضوح الاندفاع السعودي في هذا المسار، فإن القيادة الفلسطينية ﻻ تترك فرصة، بمناسبة وبدون مناسبة، إلا وتؤكد أنها مع السعودية ! ويبدو أن البعض في الطبقة السياسية الفلسطينية، التي ترهّلت وأفلست، يمينها ويسارها، وفقدت مبرر وجودها، راح يقلّد هذه الدعوة الشاذة بـ"تعزيز" العلاقة مع السعودية!.
لكن الذين تخلّوا عن دورهم في النضال الفعلي ضد اﻻحتلال ولم يبق لهم سوى الرهان على هذه المبادرات وأمثالها فسيكون عليهم تكرارهذا الرهان بلا حدود. أما شعبنا الصامد، الذي يتحدى اﻻحتلال بشبابه الذين يبتكرون كل يوم شكلا جديدًا لمقارعته، والذي يعتبر نفسه وقضيته العادلة جزءا أصيلا من المعركة المحتدمة على امتداد المنطقة، يملؤه التفاؤل بأن تفتح نتائج هذه المعركة آفاقا واعدة.
