ليرتفع صوتكِ يا "أم الدنيا" حرًّا قويًّا كما عهدناه!

single

طابع بريد مصري يشير الى تيران وعليه صورة عبد الناصر



لا أخفي على أحد أنني كنتُ مِن الذين فرِحوا كثيرًا لثورة الثلاثين من يونيو-حزيران، التي قام بها الجيش المصري بقيادة رئيس مصر الحالي، عبد الفتاح السيسي. نعم. فرحتُ كثيرًا، وليس فقط للضربة الحاسمة التي أنقذت مصر وشعبها العظيم من ظُلْمٍ وظلامٍ كان   يمكن أن يخيّما على أرض الكنانة لعهودٍ ظلاميّة طويلة، بل أيضًا لأنّ نكهةً ناصِريّةً بدأت تعبق في سماء مصر، وصل بعض شذاها الطيّب إلينا...
وأنا كغيري، نعلم جيّدًا حجم المعاناة الاقتصادية التي يعاني منها شعب مصر الصابر، بَيْدَ أنني شخصيًّا أحترم سعيَ الرئيس السيسي الحثيث ومعاونيه، لتجنيد رؤوس أموال محليّة، وأقدّر جولاتهم العديدة في دول العالم المُختلفة، لجلب المستثمرين وإقامة المشاريع الاقتصادية المتنوّعة. ومع أن هذا الأمر ليس موضوع المقال، إلا أنه مِن قبيل الأمانة الموضوعيّة أن نذكر، ولو بسرعة، مشاريع هامة كمشروع قناة السويس، وطرق المرور الهائلة، وإعادة فتح وتشغيل العديد من المصانع المغلقة المُعَطَّلة، واستصلاح الأراضي، وغيرها، مما لا شك أنه سيعود بالفائدة على أبناء الشعب المصري، ويُقَلّصُ نسبة البطالة المُستشرية هناك.
ويبدو أن السعودية قد أسهمت في تعزيز الاقتصاد المصري بالاستثمار أو بغيره، الأمر الذي يفسّر العلاقة المستغرَبة من جهة مصر بهذه المملكة! وقد يَقبَل البعض هذه العلاقة، كوْنَ السعودية تدعم الاقتصاد المصري بسخاء. هذه وجهة نظر معروفة ومقبولة في ثقافتنا الاجتماعية، مِن منطلَق المثل الشعبي السائد: "إطعِم الفم بْتِستْحي العين"! أمّا أنا فأقول إنها "مُستَغرَبة"، وأعني ما أقول! فإنه لا يخفى على مصر ولا على غيرها، الدَّوْرُ الذي تلعبه السعودية في دعم وتغذية الإرهاب والإرهابيين التكفيريين فيما يقترفونه من جرائم وموبقات في سوريا والعراق وغيرها. ولا يخفى على أحد أيضًا العلاقة المُمَيّزة بينها وبين تركيا والولايات المتحدة وقطر، في تمويل وتسليح وتدريب هذه المخلوقات الجهنميّة المتوحّشة، التي تعيث في كل أرض دمارًا وفسادًا ودماء.
لقد عانت مصر وشعبها وجيشها من الإرهاب المظلم على أرضها، وما زالت. وامتدّت أيادي داعش الدموية القذِرة لإعدام واحد وعشرين عاملًا مصريًّا في ليبيا! فكيف يمكن أن نتفهّم سكوت مصر عن علاقة السعودية بالإرهاب، في الوقت الذي تقيم الدنيا وتقعدها، على علاقة كل من قطر وتركيا بنفس هذا الإرهاب وهؤلاء الإرهابيين؟!
ثم يصل الملك سلمان السعودي في زيارة "تاريخية" لأرض الكنانة. ويبدو أيضًا أنه يحمل معه مشروعاتٍ استثماريّةً لدعم اقتصاد مصر. فيخرج المسؤولون الرسميون عن بكرة آبائهم لاستقباله. وبُعَيْدَ انتهاء الزيارة، أو ربّما قُبَيْلَها، نسمع أن مصر وافقت على "إعادة" جزيرتيْ تيران وصنافير للسعودية لأنهما تابعتان للمملكة حسب ترسيم الحدود البحرية بين البلدين. أنا طبعًا لا أعلم شيئًا عن مدى صحّة هذا الادعاء! لكن لديّ بعض الملاحظات:
أولاها، كيف يعلن الرئيس السيسي عن "إعادة" الجزيرتيْن إلى السعودية، مدافعًا عن قراره بوثائق وبيّنات، ثم يقول إن مجلس النواب سيبحث الموضوع! ألَم يكن من الأصح أن يعلن الرئيس إحالة مطالبة السعودية بالجزيرتيْن، إلى البحث أولًا في مجلس النواب الذي سيتخذ القرار بعد دراسته بعمق والاطلاع على كافة الوثائق؟
الملاحظة الثانية هي حول تفسير سامي شرف، مدير مكتب المرحوم الرئيس جمال عبد الناصر، لقوْلِهِ قبيل حرب 1967، "إن جزيرتي صنافير وتيران مصريتان". ففي مقال نشره في صحيفة الأهرام، بتاريخ 18.04.2016، يقول: "إن الرئيس عبد الناصر أدلى بهذا التصريح في ظرف مُحدَّد، ولسبب يمسّ الأمن القومي المصري آنذاك. فلا يمكن أن تكون الجزيرتان غير مصريتيْن ويغلق الخليج. وإنما هو، وباعتبار أنّ هناك اتفاقًا بين البلدين للسماح بالسيادة المصرية على الجزيرتين، يحق له غلق الخليج". أما بشأن سماح السعودية بالسيادة المصرية على الجزيرتيْن، فيقول سامي شرف: "موضوع ملكية الجزيرتين المقطوع بأنهما سعوديتا الملكية. وكانتا بالاتفاق السابق بين الطرفين، تحت الحماية المصرية فقط وليست الملكية، وذلك لقدرة مصر العسكرية على القيام بهذا الدور أكثر من السعودية ما دام هناك عدو صهيوني يهدّد أمن كلا الطرفيْن السعودي والمصري. وعندما تحقق الهدف من هذا الوضع فمن المفروض أن تعود الأمور لنصابها الأصلي ويعود الوضع لما كان عليه من قبل".(1)
ومع احترامي للسيد شرف ومدى اطّلاعِهِ ومعرفتهِ، إلا أنني، بكل التواضع، لا أميلُ إلى الأخذ بحديثه! فهل يُعقَل أن تكون إسرائيل وأميركا، صديقتها وصديقة السعودية، الحميمة، تجهلان "حقيقة" ملكيّة السعودية للجزيرتين، وحماية مصر لهما فقط، حتى تعترفا بحق مصر في غلق الخليج؟! أم هل تظاهرتا بذلك الجهل، أو على الأصح، تجاهلتا "الحقيقة"، ليتسنّى لإسرائيل أن تُسَدِّدَ ضربتَها الأولى المُفاجِئة والحاسمة في حرب 1967، وتسبّب هزيمةً للقوات المسلحة المصرية أولًا، والعربية، بحيثُ لا يزال العرب يعانون نتائجها إلى يومنا هذا؟!
أما الملاحظة الثالثة فهي، هل كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لا يدرك، لا سمح الله، أن إسرائيل والولايات المتحدة تعلمان حقيقة ملكيّة الجزيرتيْن، بينما مدير مكتبه المسؤول عن المعلومات، سامي شرف، يعلم، كما ورد في مقاله المذكور: "أن هذا الموضوع (ملكية الجزيرتين) حسمَهُ المتخصِّصون في التاريخ والجغرافيا، وأكّده أساتذة القانون الدولي من ذوي الخبرة الكبيرة..."! (2) إذًا لماذا يقبل السيد سامي شرف وغيره من المستشارين السياسيين والعسكريين، أن يُدلِيَ رئيسُهم بغير الحقيقة، بينما هم يعلمون، بِحُكمِ مسؤولياتهم الوطنيّة والقوميّة، وبحُكمِ قُربِهم من الأحداث الخطيرة، أن غلقَ الخليج في وجه الملاحة الإسرائيليّة دون تهيئة مناسبة، سيدفع بإسرائيل إلى إنزال ضربة قاصمة بالطيران المصري، وإلى سقوط آلاف الشهداء من الجيوش المصرية والعربية في تيران وسيناء والضفّة الغربية والجولان؟!
***
أخيرًا، بودّي أن أؤكّد، أنني لا أعلم الحقيقة بشأن ملكيّة الجزيرتين، ولا أريد أن أعلم! ما يهمّني، وما أرنو إليه هو أن تظلَّ مصر عزيزة شامخةً كالطّوْد. لا تهون ولا تضعف أمام كلّ المغريات المادية والاستثمارات العربية والسعودية على وجه الخصوص! فلا يُعقل، يا "أمّ الدُّنيا"، يا غالية، أن تنحني وينخفض صوتُكِ ضدّ مُمَوّلي الإرهاب الذين يُسهِمون عمليًّا في تمزيق سوريا والعراق واليمن، ويزرعون بذور الخلاف والتمزيق في لبنان الأشمّ، بسبب حاجتكِ الاقتصادية الصعبة القاسية. ليذهب ذوو هذه الأموال، هم وأموالهم إلى الجحيم، وليرتفع صوتك الحرّ كما عهدناه، قويًّا ومُنَزّهًا عن كلِّ عَيْبْ!


(المكر- إقرث)

قد يهمّكم أيضا..
featured

سوريا: الامتحان الحقيقي

featured

عندما يهون الهوان

featured

جرائم ضد صحفيي غزة

featured

تهجير متواصل في الضفة!

featured

رحلة مع ناجي العلي في شمال بلادنا

featured

اللامبالون والحارقون المحروقون

featured

المرحلة القبيحة