// يبدو، وبكل بساطة، ان الأشياء تصغر امام "منطق المؤامرة": حياة البشر مثلا. على اية حال تبقى سوريا امتحاننا الحقيقي ليس كسياسيين انما كبشر قبل كل شيء، هي امتحان الانسان الحر فينا ان وُجد، وهي الموقف الجريء. وفي الختام، سلام!
يدور النقاش اليوم حول "المؤامرة" التي لا نراها ونتهم بأننا عاطفيين اكثر من اللازم وبأننا غافلين عن رؤية الصورة كاملة وبأننا يجب ان نحلل سياسيا "صح"، كي لا نقع في الفخ الامريكي.
يُطلب منا غض النظر عن أكثر من ألفي شهيد قتلوا في غضون أربعة اشهر. يُطلب منا تجاهل معتقلي الرأي من كتّاب وفنانين ومدوّنين، ذنبهم الوحيد انهم "فكّروا" و "كتبوا" و"انتقدوا". يُطلب منا تجاهل ألوف البشر التي تخرج الى الشوارع يوميا ولا تعلم إن كانت ستعود الى بيوتها.
يبدو، وبكل بساطة، ان الأشياء تصغر امام "منطق المؤامرة". حياة البشر مثلا، وحرية الوطن المستباحة، التي تصبح شيئا عاديا ومفهومة ضمنًا لتذكرني بمقطع من أغنية للشيخ امام عندما يقول "إيه يعني لمّا يموت مليون او كل الكُون، العمر اصلاً مش مضمون والناس اعمار". حتى هذه اللحظة لم يمت مليون شخص في سوريا. اذن، فليرتَح ضميرنا.
كل شيء يصغر امام من رفع سبابته بوجه الغرب وتحالف مع ايران، ليشكّل "محور شر" اضافي، للاسف الشديد يراه البعض بديلا سياسيا، رغم ان فلكه يدور حول مصادرة الحريات وزجها في عتمة سنوات بعيدة داخل اقبية لا يعلم بها احد، لنقع بين نارين، فاما القمع الغربي المستورد واما القمع المحلي بنكهة ابناء جلدتنا. وما علينا سوى الاختيار. وطبعا "القريب" أولى من الغريب بقمعنا.
والأهم من ذلك، عندما يتم الحديث عن "المؤامرة"، فإن كل شيء يصغر امام قناعاتنا الشخصية وخطنا السياسي الثوري، ما دامت حنكتنا السياسية تتلخص بـ "عَدُوّ عَدوّي، صاحبي". كأننا نسينا في خضم النقاش حول سوريا، أولاً: اننا لا ننتمي لهذا التحالف اصلا ولا نمت له باي صلة كانت، فكريا او ممارسة. ثانيًا: تكمن المصلحة الاسرائيلية في بقاء النظام السوري على حاله، لسهولة تعريفه بأنه "العدو" القريب والذي يجب اخذ الحيطة منه. ثالثًا: تكمن المصلحة الامريكية بالمحافظة على "تحالف الشر" المتمثل بسوريا وايران، كي تحافظ على منظومة "الارهاب" التي خلقتها وبالتالي تبرير سياستها الخارجية.
الخلاصة: لا افهم أي شخص يقدم لي تفسيرات وتحليلات حول "المؤامرة الامريكية الكبيرة". ما افهمه هو المصالح المشتركة بين المحورين من اجل الحفاظ على بقائهما. فكل محور يتغذّى من وجود المحور المقابل له ويستمد شرعيته من الآخر. انا أعي امرًا واحدًا: الحراك الشعبي هو الوحيد القادر على قيادة عملية التحرر الداخلية التي تشكل بدورها الضمان لعملية التحرر الاكبر. لا يمكن لشعب مقموع ان يقف بوجه "المنظومة الغربية العالمية" ليدافع عن نظام مكوّن من "ثلة حرامية" تحتكر البلاد باقتصادها وناسها.
الموقف يجب ان يكون بما فيه من الوضوح والصراحة ما يؤهله لأن يبتعد عن حيثيات الامور التي لا تشكل سوى تفاصيل التفاصيل. أي نظام في العالم وتحت أي ظروف لا يملك الحق في التنكيل بمواطنيه، وهي جريمة ضد الانسانية تستوجب محاكمة المسؤولين عنها، مهما كانت رُتبهم. فكيف لنا تجاهل هذه الحقيقة والدس بها تحت السجادة لنحافظ على "ماء وجهنا"؟؟
الثورات المندلعة اليوم في العالم العربي، تشكل صفعة قوية ليس فقط للغرب والولايات المتحدة التي راهنت على انظمة خدمت مصالحها "بشكل مباشر" مثل مصر او "غير مباشر" مثل سوريا، انما صفعة مدوية لجميع الانظمة العربية الباقية والدوائر المستفيدة منها. هي تهز المبنى الهرمي داخل المجتمع في العالم العربي وتعيد ترتيب العلاقات بين السلطة والمواطن لتنقلب المعادلة ضمن تطور زمني تاريخي متسلسل: من علاقة السيد والعبد مرورا بالنظام والرعايا، ووصولا الى مرحلة متقدمة اكثر تتمثل بالسلطة والمواطن. هذه المرحلة تطرح بشدة مفهوم "المواطنة" ودور المواطن العربي في صنع القرار السياسي من خلال المشاركة السياسية والانتقال من المرحلة "السلبية" الى المرحلة "الفعالة". لذلك فان الرهان هو على الشعب السوري، انطلاقا من الإيمان بان الشعوب هي التي تملك النَفَس الطويل وبان الانظمة زائلة.
حق الشعب السوري في تقرير مصيره وبناء مستقبله وفقًا لارادته وصياغته الخاصة، هو حق لا يحتكم لأنصاف المواقف. فهذا الشعب، الذي استطاع التحرر من الاستعمار الفرنسي، يستطيع التحرر من نظام سياسي مظلم ينخر في عظام ابنائه ويشق حناجرهم التي تهتف بالتحرر محاولا اخماد صوتهم.
المؤامرة الحقيقية تكون، عندما نتآمر على شعب يسعى للتحرر من نظام دكتاتوري وقامع، ينهش حرية مواطنيه ويرمي بهم في اقبية معتمة لنقدمهم قربانا على مذبح "التحرر من الغرب". المؤامرة الحقيقية تكون عندما نختار ازاحة نظرنا وسد آذاننا بطين لا يملك من الارض سوى لونها.
على اية حال تبقى سوريا امتحاننا الحقيقي ليس كسياسيين انما كبشر قبل كل شيء، هي امتحان الانسان الحر فينا ان وُجد، وهي الموقف الجريء. وفي الختام، سلام!
